سماء المغرب لا تمطر وقوداً رخيصاً: من يحمي أرباح أخنوش حين تنخفض الأسعار؟ - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |economie

سماء المغرب لا تمطر وقوداً رخيصاً: من يحمي أرباح أخنوش حين تنخفض الأسعار؟

IMG_682e3111-d36a-4d46-afdf-bbd0041ac0fa

حين تنخفض أسعار النفط في الأسواق العالمية، يفترض أن ينخفض ثمن الوقود في المغرب. لكن ما يحدث هو العكس تماماً: الأسعار تتراجع عالمياً، والمبيعات تتراجع محلياً، والأرباح ترتفع. فمن يدفع الفاتورة؟

مقدمة: لغز لا يريد أحد حله

في كل مرة تنخفض فيها أسعار النفط عالمياً، ينتظر المغربي بضعة أسابيع، ثم يكتشف أن شيئاً لم يتغير في محطة الوقود. الأسعار ترتفع بسرعة مذهلة، لكنها تنخفض ببطء شديد، وكأنها تتردد في العودة. هذا ليس انطباعاً شعبياً، بل حقيقة رصدتها أرقام رسمية وتقارير مؤسساتية.

والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت التكلفة تنخفض، فلماذا لا ينخفض الثمن؟ ومن يستفيد من هذا التأخير؟

أولاً: أرقام تقول ما لا يقال

بيانات سنة 2025 كشفت مفارقة غريبة في سوق المحروقات المغربي:

· كمية الوقود المستوردة ارتفعت بنسبة 6.7%.

· لكن فاتورة الاستيراد انخفضت من 518 مليار سنتيم إلى 471 مليار سنتيم.

· الكميات المبيعة ارتفعت بنسبة 1.8%.· لكن رقم المعاملات الإجمالي انخفض بنسبة 8.9%.

بمعنى آخر: المغرب استورد وقوداً أكثر،

وباع وقوداً أكثر، لكنه دفع أقل.

ومع ذلك، لم ينعكس هذا الانخفاض على جيوب المواطنين.

والأغرب أن الأرباح بقيت شبه ثابتة.

النتيجة الصافية لشركات المحروقات لم تتراجع إلا بنسبة 6% فقط، أي أن الشركات حافظت على هوامش ربحها رغم انخفاض التكلفة. بل إن بعضها وزّع أرباحاً على المساهمين بنسبة 108% من الأرباح الصافية، وهو رقم غير مسبوق.

فالسؤال البديهي: من أين جاءت هذه الأرباح إذا كانت المبيعات والأسعار العالمية في تراجع؟

ثانياً: “أفريقيا” تسبح عكس التيار

في خضم هذه الأرقام، تبرز شركة “أفريقيا للغاز” التابعة لمجموعة “أكوا” التي يملكها رئيس الحكومة عزيز أخنوش، كحالة استثنائية تستحق التوقف.

فحين كانت الشركات الأخرى تسجل تراجعاً في رقم معاملاتها، ارتفع رقم معاملات “أفريقيا” من 877 مليار سنتيم إلى 898 مليار سنتيم. وحين كانت الأرباح الصافية لبعض المنافسين تتراجع، حافظت “أفريقيا” على أرباح صافية تقارب 75 مليار سنتيم، ولم تتزحزح قيد أنملة.

والأكثر إثارة للجدل: توزيعات الأرباح بقيت في مستوى 175 درهماً للسهم الواحد، دون أي خفض، رغم أن السوق كان يشهد انخفاضاً في الأسعار الدولية.

هذه الأرقام لا تقول إن “أفريقيا” خالفت القانون. لكنها تقول شيئاً آخر: حين ينخفض السعر العالمي، لا تنخفض الأرباح. وحين لا تنخفض الأرباح، يبقى السعر مرتفعاً.

ثالثاً: “التماثل” المريب في التعديلات

مجلس المنافسة، وهو الجهاز الرسمي المكلف بمراقبة السوق، لاحظ ظاهرة تستحق التأمل: جميع شركات المحروقات تعدّل أسعارها في نفس اليوم، وبنفس النسبة تقريباً.

في نظام سوق حرة، يفترض أن تختلف الشركات في تسعيرها. شركة تخفض، وأخرى ترفع، وثالثة تنتظر. هذا هو جوهر المنافسة. لكن ما يحدث في المغرب هو العكس: الجميع يتحرك في نفس اللحظة، بنفس الاتجاه، وبنفس المقدار تقريباً.

مجلس المنافسة وصف هذه الظاهرة بأنها “تزامن”، وقال إنه “لا يعني بالضرورة وجود تواطؤ”. لكنه أضاف في تقاريره أن هذا التزامن “يميل إلى الحد من مرونة تعديلات التعريفات”، وأنه “يعيق انعكاس انخفاض الأسعار الدولية”.

بمعنى أوضح: حتى لو لم يكن هناك اتفاق مكتوب، فإن النتيجة النهائية واحدة: المستهلك لا يستفيد من انخفاض الأسعار العالمية.

رابعاً: دورة الخمسة عشر يوماً…حين تصبح عادة مقدسة

منذ سنوات، اعتادت شركات المحروقات في المغرب على تعديل الأسعار في فاتح الشهر وفي منتصفه، أي كل 15 يوماً. هذه العادة تعود إلى زمن كانت فيه الدولة تسعّر الوقود، قبل تحرير الأسعار سنة 2015.

اليوم، الأسعار حرة. لكن العادة بقيت. والمفارقة أن مجلس المنافسة نفسه قال إن هذه الممارسة “لم تعد مناسبة” في سوق حرة، لأنها تمنع الأسعار من التفاعل الفوري مع تقلبات السوق.

فلماذا لا تزال قائمة؟

لأنها تخدم الجميع… باستثناء المستهلك.

عندما ترتفع الأسعار عالمياً، لا ينتظر أحد 15 يوماً. لكن عندما تنخفض، يبدأ العد العكسي، وتنتظر الشركات، وتنتظر، حتى يذوب الفارق أو يتبخر.

خامساً: تضارب المصالح… حين يكون الحكم لاعباً

هنا يصل الجدل إلى نقطته الحساسة: كيف يمكن لرئيس حكومة أن يمتلك أكبر شركة محروقات في البلاد، وأن يقود في الوقت نفسه سياسة الطاقة والدعم؟

هذا ليس اتهاماً، بل وصف لوضع قائم. رئيس الحكومة يشرف على سياسات الدعم والضريبة والمنافسة، وفي الوقت نفسه يملك الشركة الأكبر في القطاع الذي تُطبَّق عليه هذه السياسات.

لا أحد يقول إنه وقّع أمراً بزيادة الأسعار. لكن لا أحد يستطيع أن ينفي أن هيكل الحوافز يخدمه. فكل ارتفاع في الأسعار يعني أرباحاً أكبر لشركته. وكل تأخير في خفضها يعني أرباحاً أطول.

وحين تصل أرباح “أفريقيا للغاز” إلى 75 مليار سنتيم في سنة واحدة، وحين توزع الشركة أرباحاً تفوق أرباحها الصافية، يصبح السؤال مشروعاً: من يدفع ثمن هذه الأرباح؟

الجواب بسيط: المواطن الذي يملأ خزان سيارته كل أسبوع، والطباخة التي تشتري قنينة الغاز كل شهر، وسائق الطاكسي الذي يحسب كل درهم.

سادساً: لماذا يجب أن نطالب بالمحاسبة؟

المطالبة بالمحاسبة ليست اتهاماً. إنها حق أساسي في أي دولة تحترم مؤسساتها.

أولاً، نحتاج إلى تدقيق مستقل. ليس تدقيقاً إدارياً شكلياً، بل تحقيق قضائي مستقل يفحص عقود الشراء، وهياكل التكلفة، وآليات التسعير. السؤال ليس “هل هناك اتفاق مكتوب؟

” بل “هل هناك نتيجة احتكارية؟

“ثانياً، يجب فضح تضارب المصالح. لا يمكن أن يكون رئيس الحكومة(سابقا) مالكاً لأكبر شركة في قطاع يخضع لتنظيم حكومي. هذا ليس اتهاماً بالفساد، بل دفاعاً عن المؤسسات. حتى لو كان كل شيء قانونياً، فإن المظهر نفسه يقتل الثقة.

ثالثاً، إلغاء دورة الـ15 يوماً. إذا كانت السوق حرة، فلتكن حرة فعلاً. لتنافس الشركات على التسعير. ولتنخفض الأسعار حين تنخفض التكاليف. وليشعر المستهلك بذلك في جيبه، لا في البيانات الرسمية فقط.

رابعاً، الكشف عن وجهة الضرائب. في سنة 2025 وحدها، دفع المغاربة 284 مليار سنتيم ضرائب على الوقود.

أين ذهبت؟

هل خففت عنهم أعباء الطاقة؟

أم مولت شركات تعاني من… أرباح مفرطة؟

خاتمة: النفط ينخفض، لكن الفاتورة لا

في النهاية، هذه ليست قصة عن النفط أو الأسواق العالمية. إنها قصة عن من يملك القرار، ومن يدفع الثمن.

عندما ينخفض سعر البرميل في لندن أو نيويورك، تصل الأخبار إلى الرباط. لكنها تتوقف عند أبواب الشركات الكبرى. هناك، في مكاتب مكيفة، يُقرر أن “الوقت لم يحن بعد” لخفض الأسعار. وهناك، في محطات الوقود، ينتظر المواطن المغربي… ينتظر انخفاضاً لا يأتي.

وحين تسأل: لماذا؟ يأتيك الجواب جاهزاً: “السوق حرة، والأسعار تتحدد وفق العرض والطلب”.لكن السوق ليست حرة حين يكون اللاعب الأكبر هو نفسه من يضع القوانين. وليست حرة حين تكون الزيادة فورية والانخفاض مؤجلاً. وليست حرة حين ترتفع الأرباح رغم انخفاض المبيعات.

المغرب يستحق سوقاً حرة حقيقية. ويستحق مساءلة حقيقية. ويستحق أن يعرف: من يحمي أرباحه حين تنخفض الأسعار؟

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث