في عالم يتحرك بسرعات رقمية مذهلة، تحولت الرقائق الإلكترونية من مجرد مكونات صغيرة داخل الأجهزة إلى سلاح استراتيجي في معركة السيادة التكنولوجية بين القوى العظمى. هذه “الرقائق”، التي باتت توصف بـ”نفط القرن الواحد والعشرين”، أصبحت محوراً لصراع جيوسياسي واقتصادي محتدم تقوده الولايات المتحدة والصين، وسط سباق عالمي نحو تأمين الإمدادات وتطوير القدرات الذاتية في هذا المجال الحيوي.
يرتبط هذا التسابق ارتباطاً وثيقاً بالتحول الرقمي الشامل الذي يشهده العالم، حيث تعتمد التقنيات الحديثة – من الذكاء الاصطناعي إلى المركبات ذاتية القيادة – على معالجات متقدمة قادرة على التعامل مع كميات ضخمة من البيانات بسرعة ودقة. وتشير التقديرات إلى أن سوق “مسرّعات العتاد الصلب” سينمو من 3.2 مليار دولار عام 2024 إلى أكثر من 36 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مذهل يقارب 50%. هذا التوسع الضخم يعكس الطلب المتزايد في قطاعات حيوية مثل المالية، والرعاية الصحية، وصناعة السيارات، وحتى الأمن والدفاع.
لكن خلف هذا الازدهار التكنولوجي تكمن مخاطر جيوسياسية معقدة. فصناعة أشباه الموصلات تتركز بشكل كبير في مناطق محدودة من العالم، أبرزها تايوان، التي تُعد موطناً لشركة TSMC الرائدة عالمياً في هذا المجال. هذا التركيز جعل الرقائق نقطة ضعف في الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل التوتر المتصاعد بين واشنطن وبكين، وما رافقه من قيود تصدير وحروب تجارية واختناقات في سلاسل التوريد. وقد كشفت أزمة نقص الرقائق، التي ضربت قطاعات كبرى مثل السيارات والإلكترونيات، هشاشة الاعتماد على موردين محدودين، وأعادت رسم أولويات الدول الصناعية الكبرى.
استجابت الحكومات والشركات الكبرى لهذه الأزمة بإطلاق خطط ضخمة لتعزيز الإنتاج المحلي وتنويع سلاسل التوريد. ففي الولايات المتحدة، تم إقرار قانون CHIPS لتقوية التصنيع الداخلي، بينما تتجه شركات مثل سامسونغ وإنتل نحو بناء مصانع جديدة في أوروبا والهند وكوريا الجنوبية، لتقليل الاعتماد على آسيا. وفي الوقت نفسه، تتسابق المختبرات العالمية نحو تطوير أجيال جديدة من الرقائق بتقنيات 3 نانومتر و2 نانومتر، والبحث عن بدائل للسيليكون مثل الجرافين، الذي قد يفتح آفاقاً ثورية في كفاءة الطاقة وسرعة المعالجة.
أما على المستوى الأمني، فقد صارت الرقائق المتقدمة جزءاً من منظومات الدفاع والاستخبارات، وعنصراً حاسماً في ضمان السيادة الرقمية للدول. فامتلاك أو فقدان السيطرة على هذه التكنولوجيا يعني عملياً امتلاك أو فقدان مفاتيح المستقبل.
في هذا السياق العالمي المتوتر، يبرز المغرب كفاعل طموح يسعى إلى ترسيخ موقعه ضمن الاقتصاد الرقمي الجديد. فبفضل موقعه الجغرافي الاستراتيجي بين أوروبا وإفريقيا، واستقراره السياسي، ورؤيته المتقدمة في مجال التحول الرقمي، يملك المغرب فرصاً حقيقية للتموقع في بعض حلقات هذه السلسلة الصناعية، خصوصاً في مجالات التجميع، والاختبار، والخدمات الرقمية المرتبطة بتصميم الرقائق. المبادرات التي أطلقتها المملكة لتعزيز البحث العلمي وتشجيع الصناعات الذكية يمكن أن تشكل أرضية لانخراط تدريجي في منظومة أشباه الموصلات، سواء عبر شراكات مع الفاعلين الدوليين أو من خلال احتضان استثمارات تكنولوجية متقدمة في المناطق الحرة والمراكز الجامعية المتخصصة.
إن معركة الرقائق ليست مجرد تنافس اقتصادي بين القوى الكبرى، بل هي إعادة صياغة لخريطة النفوذ العالمي. وفي خضم هذا التحول، تبدو الدول التي تراهن مبكراً على التعليم، والبحث، والبنية التحتية الرقمية، هي الأقدر على انتزاع موقع مؤثر في المستقبل. المغرب، بما يمتلكه من مؤهلات وإرادة إصلاحية، يمكن أن يكون جزءاً فاعلاً من هذا العالم الجديد الذي تتشكل ملامحه على شريحة إلكترونية صغيرة، لكنها تحمل في طياتها مصير اقتصاد عالمي بأكمله.


Comments
0