انتخابات 2026: حين يتحول صوت المواطن من «ورقة» إلى «قرار» | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

انتخابات 2026: حين يتحول صوت المواطن من «ورقة» إلى «قرار»

مع الحدث ma3alhadet

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، لا تبدو الانتخابات مجرد موعد دستوري يتجدد، ولا موسماً سياسياً تملأه الشعارات واللافتات والوعود. إنها، قبل كل شيء، لحظة نادرة تضع المواطن والأحزاب والمرشحين أمام المرآة نفسها: ماذا أنجزنا بالأمس؟ ماذا نعد به اليوم؟ وهل نملك فعلاً ما يؤهلنا لطلب ثقة الغد؟

فالانتخابات ليست يوماً عابراً في رزنامة السياسة، وإنما امتحان للذاكرة الجماعية. وحين يفقد المواطن ذاكرته السياسية، تصبح الأخطاء قابلة للتكرار، وتتكرر معها الوجوه والوعود وحالات الإحباط نفسها.

ومن هنا يبرز السؤال الحقيقي: هل سنخوض انتخابات 2026 على أساس الحصيلة والبرامج والكفاءة والقدرة على الإنجاز، أم ستظل الأسماء والعلاقات والولاءات والحسابات الانتخابية الضيقة هي المحدد الأساسي للاختيار؟

التعددية الحزبية: من تعدد الأسماء إلى تعدد البدائل

يشكل التعدد الحزبي في المغرب إحدى ركائز الحياة السياسية، وهو مكسب ديمقراطي لا تكتمل قيمته بمجرد كثرة الأحزاب واللوائح، وإنما بمدى قدرتها على تقديم بدائل حقيقية وبرامج مختلفة ورؤى واضحة للمستقبل.

فالتعددية لا تعني أن تتعدد الأسماء بينما تتشابه الخطابات والوعود والمواقف. المواطن من حقه أن يعرف: أين يكمن الاختلاف الحقيقي بين هذا الحزب وذاك؟ وما الذي سيضيفه كل برنامج إلى حياته اليومية؟

الأسئلة التي ينتظر المواطن عنها أجوبة واضحة ليست قليلة: أين ستخلق فرص الشغل؟ كيف سيتم الارتقاء بالتعليم العمومي؟ كيف ستتم مواجهة الفوارق بين المدن والقرى والمناطق الجبلية؟ كيف سيتم تدبير تحديات الماء والجفاف والتغيرات المناخية؟ وماذا عن الصحة والسكن والقدرة الشرائية والنقل والاستثمار المحلي؟

فالبرنامج الانتخابي ليس مجرد وثيقة توزع خلال الحملة، بل يفترض أن يكون تعاقداً سياسياً وأخلاقياً مع الناخب. ومن حق المواطن، بعد انتهاء الولاية، أن يعود إليه ويسأل: ماذا تحقق؟ وماذا لم يتحقق؟ ولماذا؟

من شعار «التغيير» إلى سؤال «الحصيلة»

«التغيير» من أكثر الكلمات حضوراً في الخطاب الانتخابي، لكن المواطن الواعي لا ينبغي أن يكتفي بسماعها، بل عليه أن يسأل: أي تغيير؟ ولمن؟ وبأي وسائل؟ وفي أي مدة زمنية؟

الحزب الذي تحمل مسؤولية حكومية أو تدبيرية يُفترض أن تُقرأ تجربته من خلال حصيلته، لا من خلال وعود جديدة فقط. وفي المقابل، فإن الحزب الذي لم يتحمل مسؤولية تنفيذية واسعة لا يمكن أن يُحاسب بالطريقة نفسها، لكنه مطالب بتقديم بديل واقعي وقابل للتنفيذ، لا بالاكتفاء بالنقد.

ولهذا، فإن المقارنة العادلة تبدأ من أربعة أسئلة بسيطة:

– ماذا وعد الحزب؟
– ماذا أنجز فعلياً؟
– ماذا لم ينجز، وما أسباب ذلك؟
– وماذا يقترح اليوم كبديل؟

بهذه الطريقة تتحول الانتخابات من منافسة على الشعارات إلى منافسة على الحصيلة والكفاءة والقدرة على الإنجاز.

«مغرب بسرعتين»: من التوجيه الملكي إلى الامتحان الانتخابي

من القضايا التي ينبغي أن تحضر بقوة في النقاش الانتخابي مسألة العدالة الاجتماعية والمجالية، وهي قضية حضرت بوضوح في التوجيهات الملكية.

ففي خطاب 20 غشت 2014، شدد الملك محمد السادس على رفض مغرب يستفيد فيه البعض من ثمار النمو بينما يبقى آخرون خارج مسار التنمية.

وفي خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2025، جدد الملك التأكيد على أنه «لا مكان، لا اليوم ولا غداً، لمغرب يسير بسرعتين»، رابطاً ذلك بالتنمية الاجتماعية والعدالة المجالية.

وهنا يتحول هذا التوجيه إلى سؤال انتخابي مباشر: ماذا ستقدم الأحزاب والمرشحون حتى تصبح التنمية أكثر توازناً بين مختلف مناطق المملكة؟

كيف يمكن ضمان وصول الخدمات الصحية إلى القرى والمناطق النائية؟ وكيف يحصل أبناء العالم القروي والمناطق الجبلية على تعليم جيد يفتح أمامهم فرصاً حقيقية؟ وكيف يمكن خلق فرص الشغل والاستثمار خارج المراكز الاقتصادية الكبرى؟ وما هي الحلول العملية لدعم المقاولات الصغيرة وتشجيع الاستثمار المحلي في المناطق التي تعاني من ضعف الجاذبية الاقتصادية؟

ثم ماذا عن الطرق والنقل والماء والكهرباء وباقي الخدمات الأساسية عندما يتعلق الأمر بالمناطق البعيدة أو الصعبة التضاريس؟

إن التوجيهات الملكية ترسم أولويات كبرى، بينما تتحمل المؤسسات والأحزاب، كلٌّ في حدود اختصاصاته الدستورية والقانونية، مسؤولية ترجمة هذه الأولويات إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ والقياس والتقييم.

ولهذا، فإن انتخابات 2026 ينبغي أن تكون مناسبة ليس فقط لمعرفة من سيصل إلى المؤسسات المنتخبة، بل لمعرفة من يمتلك تصوراً عملياً لجعل التنمية أكثر عدلاً وتوازناً.

«الترحال السياسي»: حق في الاختلاف ومسؤولية في التفسير

ومن الملفات التي تستحق نقاشاً هادئاً ومسؤولاً مسألة انتقال بعض السياسيين من حزب إلى آخر.

فتغيير الانتماء السياسي ليس بالضرورة خطأ في حد ذاته، فقد تكون وراءه اختلافات حقيقية في الرؤى أو البرامج أو المواقف، والسياسي، مثل أي مواطن، له حقه في الاختيار.

لكن هذا الحق يقابله أيضاً واجب سياسي وأخلاقي في تفسير التحول للناخب.

ماذا تغير؟ هل تغيرت القناعات والبرامج، أم تغيرت فقط الحسابات الانتخابية؟ وكيف يمكن لمن كان ينتقد حزباً بالأمس أن يصبح ممثلاً له اليوم؟ وما الذي ينبغي أن يفهمه المواطن من مسار سياسي تتبدل فيه المواقع والانتماءات بشكل متكرر؟

المطلوب ليس محاكمة الأشخاص، وإنما قراءة مسارهم السياسي كاملاً: مواقفهم، مسؤولياتهم، حصيلتهم، أسباب انتقالاتهم، ومدى انسجام خطاباتهم مع ممارساتهم.

فالناخب لا يختار لحظة انتخابية فقط، وإنما يختار مساراً قد يمتد لسنوات. ومن حقه أن يعرف تاريخ المرشح السياسي، كما من واجبه أن يميز بين الاختلاف السياسي المشروع وبين التحولات التي لا يجد لها تفسيراً مقنعاً.

المواطن ليس متفرجاً… بل شريك في المسؤولية

من السهل تحميل الأحزاب والسياسيين وحدهم مسؤولية كل ما يعيشه المواطن من مشاكل، لكن الحقيقة أن الديمقراطية مسؤولية مشتركة.

فالامتناع عن التصويت، عندما يكون ناتجاً عن اللامبالاة وليس عن موقف سياسي واعٍ، يترك المجال لآخرين لاتخاذ القرار. كما أن اختيار المرشح فقط لأنه قريب أو صديق أو ينتمي إلى العائلة أو المنطقة نفسها قد يجعل الاعتبارات الشخصية تتقدم على الكفاءة والبرنامج.

والأخطر أن تتحول العملية الانتخابية إلى تبادل للمنافع أو إلى تأثر بالإغراءات الانتخابية والممارسات غير السليمة. عندها لا يعود الصوت تعبيراً عن قناعة، بل يصبح جزءاً من دورة انتخابية تعيد إنتاج الواقع نفسه.

لذلك، فإن مسؤولية المواطن تبدأ من لحظة اتخاذ القرار: أن يسأل، ويقارن، ويتحقق، ثم يصوت.

صوت الناخب ليس مجرد ورقة توضع في صندوق الاقتراع، وإنما قرار يمكن أن يؤثر في المدرسة والمستشفى والطريق وفرص الشغل والاستثمار والخدمات التي سيجدها المواطن في اليوم التالي للانتخابات.

كيف يختار المواطن الحزب والمرشح؟

ربما يكون السؤال الأهم في انتخابات 2026 هو: كيف ننتقل من سؤال «من أعرف؟» إلى سؤال «ماذا سيقدم؟».

ويمكن للمواطن أن يبدأ من مجموعة من الأسئلة البسيطة:

بالنسبة للحزب:

– ما هو برنامجه الحقيقي؟
– هل يتضمن أهدافاً واضحة وقابلة للقياس؟
– هل الحلول المقترحة واقعية وقابلة للتنفيذ؟
– ما علاقته بالأولويات الوطنية والمجالية؟
– ماذا قدم عندما تحمل المسؤولية سابقاً؟
– وهل سبق أن التزم بوعود ولم ينفذها؟ ولماذا؟

وبالنسبة للمرشح:

– ما مساره السياسي والمهني؟
– ماذا أنجز في المسؤوليات التي تحملها؟
– هل يعرف مشاكل المنطقة التي يترشح فيها فعلاً؟
– هل يمتلك رؤية واضحة أم يكتفي بالشعارات؟
– هل مواقفه مستقرة ويمكن فهمها؟
– وهل لديه القدرة والكفاءة لتحويل الوعود إلى عمل؟

أما البرنامج نفسه، فينبغي ألا يُقرأ فقط من خلال العناوين الكبرى، بل من خلال التفاصيل: ماذا سيُنجز في الصحة والتعليم والشغل؟ كيف ستُعالج الفوارق المجالية؟ ما الآجال؟ ما الإمكانات؟ ومن سيتحمل المسؤولية عن التنفيذ؟

فالبرنامج الذي لا يمكن قياس نتائجه يصعب محاسبة أصحابه عليه.

الشباب والنساء: هل تكون 2026 محطة لتجديد النخب؟

لا يمكن لانتخابات 2026 أن تتجاهل سؤال تجديد النخب السياسية.

الشباب ليسوا فقط فئة انتخابية كبيرة، بل هم جزء أساسي من مستقبل البلاد. وهم في الوقت نفسه الأكثر احتكاكاً بقضايا البطالة، والهجرة، والتحولات الرقمية، وتغير سوق الشغل، والحاجة إلى فرص جديدة للابتكار والمبادرة.

والنساء بدورهن أثبتن حضوراً قوياً في مختلف المجالات، لكن النقاش حول تمثيليتهن داخل المؤسسات المنتخبة يظل قائماً، كما يظل السؤال مطروحاً حول مدى قدرة الأحزاب على منح الكفاءات النسائية والشابة مواقع حقيقية في صناعة القرار.

فالتجديد لا ينبغي أن يكون مجرد تغيير في الأسماء أو استعمالاً انتخابياً لصورة الشباب والنساء، بل ينبغي أن يعني فتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على تحمل المسؤولية.

والتحدي ليس دائماً في غياب الكفاءات، بل في ضمان أن تكون الكفاءة والنزاهة والقدرة على العمل معايير فعلية في الاختيار.

الخلاصة: من يصنع التغيير؟

التغيير لا تصنعه الشعارات وحدها، ولا تمنحه صناديق الاقتراع تلقائياً.

التغيير يبدأ من ناخب واعٍ، ومن حزب يقدم برنامجاً قابلاً للنقاش والمحاسبة، ومن مرشح يمتلك الكفاءة والنزاهة والرؤية، ومن ممارسة سياسية تدرك أن الوصول إلى المؤسسة المنتخبة ليس امتيازاً، بل مسؤولية.

لذلك، فإن السؤال في انتخابات 2026 لا ينبغي أن يكون فقط: من سيفوز؟

بل: ماذا سنختار؟ وعلى أي أساس؟

هل سنختار الاسم أم البرنامج؟
العلاقة أم الكفاءة؟
الوعود أم الحصيلة؟
الولاء الضيق أم المصلحة العامة؟
الماضي السياسي المفسر أم المسار المتقلب بلا إجابات؟

إن أردنا أن نحاسب الغد، فعلينا أن نحسن الاختيار اليوم.

وعندما يقرأ المواطن البرنامج، ويدرس الحصيلة، ويتأمل مسار المرشح، ويقارن بين البدائل قبل أن يمنح صوته، عندها فقط يتحول ذلك الصوت من مجرد «ورقة» داخل صندوق الاقتراع إلى «قرار» يصنع جزءاً من مستقبل البلاد.

إلى الشباب: لا تتركوا مقعدكم لغيركم

إلى الشباب، تحديداً: لا تقولوا إن صوتكم لن يغير شيئاً. إن لم تشاركوا في صناعة القرار، فسيُتخذ القرار من دونكم. الانتخابات ليست شأناً يخص السياسيين وحدهم، بل هي لحظة يملك فيها كل مواطن فرصة ليقول من خلال صوته: هذا البرنامج أراه أقرب إلى تطلعاتي، وهذا المرشح أراه أقدر على تمثيلي.

لا تسمحوا للإحباط أن يحولكم إلى متفرجين، ولا تجعلوا أخطاء الماضي سبباً للتخلي عن حقكم في صناعة المستقبل. اذهبوا إلى صناديق الاقتراع، اقرأوا البرامج، ناقشوا المرشحين، قارنوا بين الحصائل، واسألوا عن الكفاءة والقدرة على الإنجاز.

أنتم لستم مجرد كتلة انتخابية تبحث عنها الأحزاب في موسم الانتخابات؛ أنتم جيل المستقبل، ومن حقكم أن يكون لكم صوت في تحديد ملامحه. فالتغيير الذي تنتظرونه لا يبدأ بعد ظهور النتائج، بل يبدأ يوم تقررون أن أصواتكم ليست للبيع، وليست للمجاملة، وليست بلا قيمة.

صوّتوا لمن يقنعكم، لا لمن يطلب منكم فقط أن تثقوا به. اختاروا من ترون فيه الكفاءة والرؤية والقدرة على خدمة الصالح العام. فالصمت قرار، والمقاطعة قرار، والتصويت أيضاً قرار… والأهم أن يكون قراركم واعياً.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث