بين تكبير الروح وذبح الجسد وعادات المجتمع | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أعمدة الرآي

بين تكبير الروح وذبح الجسد وعادات المجتمع

IMG-20260528-WA0060

يأتي عيد الأضحى كل سنة ومعه مشهد مكرر: تكبير يملأ المساجد والساحات، صفوف متراصة في صلاة العيد، ثم سكاكين تُشهر وأضاحي تُذبح، وبعدها موائد وزوار وهدايا.
لكن إذا تأملنا جيداً، نجد أن العيد يلبس ثلاث طبقات: طبقة العبادة، طبقة الشعيرة، وطبقة العادة.
والسؤال الذي نادراً ما نطرحه هو: أي طبقة نعيشها فعلاً؟ وأي طبقة طغت على الباقي؟
ان صلاة العيد ليست مجرد ركعتين. هي إعلان جماعي أن الله أكبر من كل شيء: أكبر من شهواتنا، من حساباتنا، من خوفنا، ومن تعلقنا بالمادة.
التكبير الذي يردده الصغير والكبير، الغني والفقير، هو صوت واحد يقول: كلنا عبيد أمام الله، لا فرق بيننا إلا بالتقوى.
هنا يتساوى الجميع في الساحة. لا منصب، لا مال، لا جاه. فقط قلوب مرفوعة للسماء.
لكن هذه اللحظة الروحية القصيرة تحتاج أن تمتد لأربع أيام، لا أن تنتهي مع السلام الأخير من الإمام.
وبعد الصلاة مباشرة تأتي شعيرة الذبح، امتداداً لقصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
لكن المشكل أننا اختزلنا الذبح في سكين ولحم ودم. وننسى أن الهدف ليس اللحم:
﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾.
الذبح الحقي هو أن تذبح في نفسك البخل فتتصدق، أن تذبح الأنانية فتصل رحمك، أن تذبح الكبر فتسامح من أساء إليك.
حين يتحول الذبح إلى استعراض اجتماعي: من ذبح أغلى كبش؟ من علق الرأس في الباب؟ فقدنا المعنى وبقي الشكل.
ان لكل منطقة عاداتها في العيد: الزيارة، المآكل الخاصة، تبادل الهدايا، تزيين البيوت. وهذه العادات جميلة إذا بقيت خادمة للروح لا قاتلة لها.
والمشكل يبدأ حين تصبح العادة عبئاً. فحين يستدين الأب ليشتري أضحية لا يستطيع ثمنها، فقط حتى لا “يعيره الناس”.
وحين تتحول الزيارة من صلة رحم إلى مجاملة ثقيلة تثقل كاهل الجميع.
وبالتالي فالعادات يجب أن تقوي الروابط، لا أن تكبل الناس بالديون والمظاهر.
والخلل اليوم أننا نفصل بين الثلاثة:
نصلي صلاة العيد بسرعة ونخرج لهمّ الذبح. نذبح الأضحية ونهتم بتوزيع اللحم أكثر من توزيع الابتسامة. ونمارس العادات بلا روح، كواجب اجتماعي لا كقربة.
النتيجة: عيد متعب، مكلف، وبلا أثر روحي يبقى معنا بعد أسبوع، فجعل التكبير حقياً في داخلك قبل أن تردده بلسانك. ذكر نفسك أن الله أكبر من همّك ومشاكلك،و خصص جزءاً من الأضحية للفقير الذي لا يملك ثمنها، واشرح لأبنائك لماذا نذبح،ان العيد ليس مسابقة في البذخ او الزيارة الخفيفة، بل الابتسامةو الكلمة الطيبةو الصدقة البسيطة.
ختامافصلاة العيد تعلمنا المساواة، والذبح يعلمنا التضحية، والعادات تعلمنا التراحم.
إذا اجتمعت الثلاثة، تحول العيد إلى مدرسة تربوية سنوية تعيد ضبط بوصلة حياتنا.
وإذا انفصلت، صار العيد مجرد
ثلاثة أيام إجازة تنتهي بملابس متسخة ومطبخ مرهق،ةالسؤال يبقى مطروحا
هل خرجنا من صلاة العيد بقلب أكبر، أم عدنا لحياتنا بقلب أضيق مما كان؟

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث