من العاصمة الهولندية أمستردام، حيث تحضر قيم الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة في النقاش العام، يتابع المغاربة المقيمون بالخارج، باهتمام متزايد، تطورات المشهد السياسي في المغرب، وما يرافقه من نقاش حول مستقبل الممارسة الديمقراطية، وجودة النخب، ومعايير الوصول إلى مواقع المسؤولية.
ومن بين القضايا التي تستأثر بجانب من هذا النقاش، ظاهرة توظيف المال في الاستحقاقات الانتخابية، وما يُتداول في الخطاب السياسي والإعلامي عن «أصحاب الشكارة»، باعتبارها ممارسة يُنظر إليها، في حال ثبوتها، باعتبارها من العوامل التي قد تؤثر في تكافؤ الفرص وفي ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
المال الانتخابي.. تحدٍّ أمام تكافؤ الفرص
حين تتحول المنافسة الانتخابية من مجال للتنافس حول البرامج والكفاءات إلى سباق تحكمه الإمكانات المالية، فإن جوهر العملية الديمقراطية يصبح أمام تحديات حقيقية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بممارسات غير قانونية أو غير أخلاقية.
ومن منظور عدد من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، فإن استمرار هذه الممارسات، متى ثبتت، قد يؤدي إلى إضعاف حضور الكفاءات القادرة على تقديم رؤى جديدة، كما قد يساهم في تعميق حالة العزوف عن المشاركة السياسية.
وتبرز في هذا السياق ثلاثة تحديات أساسية:
أولا: تكافؤ الفرص.
ضمان منافسة انتخابية عادلة تتيح للكفاءات والأطر، بصرف النظر عن إمكاناتها المالية، الوصول إلى مواقع المسؤولية على أساس البرنامج والنزاهة والاستحقاق.
ثانيا: جودة العمل المؤسساتي.
فالمؤسسات المنتخبة تحتاج إلى نخب قادرة على فهم تعقيدات التشريع والاقتصاد والإدارة والسياسات العمومية، بما يواكب التحولات التي يعرفها المغرب والعالم.
ثالثا: استعادة الثقة.
فترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات يظل مرتبطاً بمدى وضوح قواعد المنافسة الانتخابية، وفعالية آليات الرقابة والمساءلة، وقدرة المؤسسات على الاستجابة للانتظارات المجتمعية.
استحقاقات كبرى تحتاج إلى كفاءات عالية
ورغم هذه التحديات، فإن المرحلة المقبلة تحمل، في المقابل، فرصاً واسعة لتعزيز مسار الإصلاح وتطوير الأداء المؤسساتي.
فالمغرب يواصل تنزيل عدد من الأوراش التنموية والاستراتيجية الكبرى، في ظل تحولات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، وهو ما يجعل الحاجة إلى نخب سياسية وإدارية مؤهلة أكثر إلحاحاً.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «رجال ونساء الدولة» باعتباره تعبيراً عن الحاجة إلى مسؤولين قادرين على وضع المصلحة العامة فوق الحسابات الشخصية أو الحزبية الضيقة، والتحلي بالقدرة على اتخاذ القرار، واستيعاب التحولات الدولية، والدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمملكة.
الإصلاح يبدأ من معايير الاختيار
إن الارتقاء بالممارسة السياسية لا يرتبط فقط بتغيير الأشخاص، بل أيضاً بتطوير معايير الاختيار وآليات الرقابة والمساءلة.
ومن بين المقترحات التي يطرحها هذا النقاش، تعزيز الإجراءات القانونية التي تحول دون وصول من تثبت في حقه، وفق أحكام قضائية نهائية، جرائم فساد أو تبديد للمال العام إلى مواقع المسؤولية، مع ضمان احترام قرينة البراءة واستقلال القضاء.
كما يبرز رهان آخر يتمثل في الارتقاء بمستوى التكوين والكفاءة داخل المؤسسات المنتخبة والتنفيذية، بما ينسجم مع طبيعة الملفات التي أصبحت تتطلب معرفة متخصصة في مجالات الاقتصاد والمالية والرقمنة والإدارة والبيئة والعلاقات الدولية.
غير أن معيار الكفاءة ينبغي أن يُفهم في إطار موضوعي وعادل، بعيداً عن الإقصاء المسبق على أساس المستوى الدراسي وحده، مع اعتماد الخبرة والتكوين والقدرة على تدبير الملفات باعتبارها عناصر أساسية في تقييم أهلية المسؤول للمهمة.
من «ديمقراطية الشكارة» إلى ديمقراطية الاستحقاق
من أمستردام، يأتي هذا النقاش باعتباره جزءاً من انشغال أوسع لدى المغاربة المقيمين بالخارج بمستقبل بلدهم، وبالرغبة في رؤية مؤسسات أكثر نجاعة، ونخب أكثر كفاءة، ومنافسة سياسية تقوم أساساً على البرامج والإنجاز والمصداقية.
فالمغرب يتوفر على طاقات وكفاءات وطنية داخل البلاد وخارجها، قادرة على الإسهام في مسار التنمية والإصلاح، ويبقى التحدي في إيجاد الآليات التي تتيح لهذه الكفاءات الوصول إلى مواقع التأثير على أساس الاستحقاق والقدرة والنزاهة.
إن الرهان على الكفاءة والنزاهة والحكامة ليس ترفاً سياسياً، بل خياراً يرتبط بجودة المؤسسات ومستقبل التنمية وثقة المواطن.
ومن هنا، فإن الانتقال من منطق المال الانتخابي إلى منطق الاستحقاق والكفاءة يظل أحد الرهانات الأساسية لتعزيز الممارسة الديمقراطية وترسيخ دولة المؤسسات.
عاش الملك، وعاش المغرب 🇲🇦


Comments
0