تعيش منطقة الرحمة بإقليم النواصر على وقع تحولات عمرانية وديموغرافية متسارعة جعلت منها مجالاً حضرياً صاعداً يستقطب فئات واسعة من الساكنة، غير أن هذه الدينامية لا يواكبها تطور مماثل في البنيات الثقافية، ما يطرح تساؤلات حقيقية حول مكانة الثقافة ضمن أولويات التنمية المحلية.
ورغم الحركية التي يعرفها الفضاء المجتمعي بالمنطقة، وما يزخر به من طاقات شابة تبدي اهتماماً متزايداً بالمسرح والفنون والأنشطة الثقافية، فإن غياب مركب ثقافي متكامل ودار شباب مجهزة يحد من إمكانيات التأطير والتكوين، ويجعل العديد من المبادرات الفردية والجماعية تصطدم بإكراهات واقعية تحول دون تطورها واستمراريتها.
ويؤكد فاعلون محليون أن النقص في الفضاءات الثقافية والمسرحية لا يؤثر فقط على الممارسة الفنية، بل يساهم أيضاً في خلق نوع من الفراغ الثقافي والعزلة، في ظل غياب قاعات للعروض، وفضاءات للندوات، وورشات للتكوين الفني. وتشكل هذه البنيات، وفق مختصين، رافعة أساسية لنشر الثقافة وتعزيز الوعي المجتمعي، من خلال احتضان فعاليات متنوعة تشمل اللقاءات الفكرية، المعارض الفنية، الأمسيات الأدبية، والبرامج التكوينية التي تسهم في بناء الإنسان فكرياً وروحياً.
ولا تقتصر أهمية المسرح والفنون على الجانب الترفيهي، بل تتجاوز ذلك إلى أدوار تربوية وتوعوية تعزز قيم الحوار والانفتاح وتنمي الحس الإبداعي لدى الأجيال الصاعدة. غير أن غياب بنية تحتية ملائمة يجعل العمل الثقافي رهيناً بمبادرات محدودة، غالباً ما تفتقد إلى شروط الاستمرارية والاحترافية.
وفي هذا السياق، يبرز دور وزارة الشباب والثقافة والتواصل باعتبارها فاعلاً رئيسياً في تنزيل السياسات العمومية المرتبطة بالشأن الثقافي، من خلال دعم إنشاء فضاءات ثقافية حديثة، وتأهيل دور الشباب، وإطلاق برامج تكوينية ومهرجانات تتيح للشباب فرص التعبير والمشاركة الفاعلة في الحياة الثقافية.
ويجمع متتبعون على أن الاستثمار في الثقافة لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة استراتيجية لتحقيق تنمية متوازنة، حيث يشكل المركب الثقافي فضاءً للتعلم والتلاقي وصناعة المبادرات، ويساهم في تعزيز جاذبية المجال الحضري وإدماج الطاقات المحلية في مشاريع ذات بعد مجتمعي.
ومن هذا المنطلق، يرفع الفاعلون الثقافيون والجمعويون نداءً عاجلاً إلى عامل إقليم النواصر، السيد جلال بنحيون، وإلى وزارة الشباب والثقافة والتواصل، من أجل إدراج مشاريع ثقافية ضمن أولويات التنمية الترابية، والعمل على توفير فضاءات مجهزة تواكب طموحات الساكنة وتمنح العمل الثقافي شروط التطور والاستمرارية.
فالرحمة اليوم تقف عند مفترق طرق بين نمو عمراني متسارع وحاجة ملحة إلى نفس ثقافي يوازي هذه التحولات، بما يجعل الثقافة حقاً فعلياً متاحاً للجميع، لا مجرد شعار.


Comments
0