عيد بأي حال عدت يا عيد".. من جور كافور إلى جور "الفراقشية" | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

عيد بأي حال عدت يا عيد”.. من جور كافور إلى جور “الفراقشية”

1000273898

قبل أكثر من ألف عام، وقف أبو الطيب المتنبي حائرًا يخاطب العيد بسؤال يقطر ألمًا: “عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ / بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ”. لم يكن المتنبي يحتفل بالعيد حين كتب هذه الكلمات، بل كان يهجو زمنًا انقلبت فيه الموازين، حيث “صارَ الخَصِيُّ إِمامَ الآبِقينَ بِها / فَالحُرُّ مُستَعبَدٌ وَالعَبدُ مَعبودُ”، ويصف بطانة الحاكم بأنها “نامَت نَواطيرُ مِصرٍ عَن ثَعالِبِها”، في إشارة إلى تقاعس من بيدهم الأمر عن ردع اللصوص.

اليوم، في يوم عرفة ليلة العيد الاضحى ، يعيد المشهد في الأسواق المغربية إنتاج ذلك السؤال الأليم، ولكن هذه المرة ليس على وقع السياسية ، بل تحت وطأة غلاء الأضاحي وندرتها التي تتناقض بشكل صارخ مع خطاب التطمينات الرسمية.

تصريحات “موجودة” وسوق “مفقودة”

يعيش المواطن المغربي هذه الأيام حالة من التيه، يتنقل بين الأسواق فلا يجد إلا ندرة في رؤوس الأغنام وأسعارًا توصف بأنها “خيالية وغير مسبوقة” . وفي خضم هذا الغلاء، يعود إلى الأذهان تصريح رئيس الحكومة السيد عزيز أخنوش الذي أكد أن العرض الوطني يتراوح بين 8 و9 ملايين رأس، وهو رقم يفوق الاحتياجات السنوية بكثير . كما سبق لوزير الفلاحة أن صرح بأن أسعار الأضاحي تبدأ من ألف درهم، قبل أن يضطر لاحقًا لتصحيح أرقامه وسط موجة من الغضب والسخرية .

لكن الواقع الذي ينقله المواطنون يوميًا يكذب هذه الأرقام. ففي سوق سيدي يحيى الزعير وغيره، تتجاوز أسعار الخرفان الصغيرة 3000 درهم بسهولة، وقد تصل إلى 6000 درهم أو أكثر . والأدهى أن العرض الحقيقي أقل بكثير مما تعلنه الوزارة، وسط اتهامات بـ”تخزين غير مشروع” و”مضاربة” لخلق ندرة مصطنعة. كثير من الأسر المغربية، التي أنهكتها موجة الغلاء التي طالت مختلف السلع الأساسية، تجد نفسها في مأزق وجودي: كيف يمكن الحفاظ على بهجة العيد للأبناء بينما الأضحية أصبحت عبئًا ماليًا يفوق طاقة “الحر المستعبد” في هذا الزمان؟

رقصة الأرقام بين الدعم والإعفاءات

فيما كان المواطن يترقب انفراجًا في الأسعار، جاءت تفاصيل ملف “الفراقشية” لتزيد الجرح غورًا. فبعد إلغاء عيد الأضحى لعام 2025 بسبب الجفاف الحاد وتراجع القطيع الوطني بنسبة 38 بالمائة ، سارعت الحكومة إلى دعم استيراد الأضاحي لتعويض الخصاص. لكن سرعان ما تحول هذا الملف إلى “حرب أرقام” بين الأغلبية والمعارضة .

فجّر الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة جدلًا واسعًا حين تحدث عن استفادة المستوردين من دعم سخي، حيث تبين أنهم باعوا الأغنام بأرباح فاقت 100 في المائة . ورغم أن الحكومة أوضحت لاحقًا أن كلفة الدعم بلغت 437 مليون درهم لسنتي 2023 و2024 ، وليس 13 مليار درهم كما روج، إلا أن الشارع المغربي بقي متمسكًا بسؤال جوهري: أين ذهبت هذه الملايين؟ وأين ذهبت الأضاحي المستوردة؟

فشل الاستيراد والمستفيد الحقيقي

على وقع هذه التجاذبات، تكشفت تفاصيل أكثر إيلامًا. فالمفاوضات التي كانت تهدف إلى استيراد نحو 100 ألف رأس من الأغنام الأسترالية باءت بالفشل، نتيجة تعقيدات لوجستية وصحية وعدم الاتفاق على الأسعار . وبعد مرور عام على توقيع الصفقة، لم يتم تصدير أي أغنام أسترالية إلى المغرب، بسبب المسافة وارتفاع تكاليف النقل . ورغم أن المستوردين فضلوا السوق الأوروبية الأقرب، إلا أن الأثمنة التي بيعت بها الأضاحي كانت مبالغًا فيها، ولم يظهر للمستهلك أي أثر للإجراءات الحكومية .

هنا ينتقل الغضب الشعبي من مجرد التذمر من الغلاء إلى سؤال أعمق: من المستفيد الحقيقي إذن؟ المواطن البسيط لم يرَ تلك الأضاحي المدعومة في الأسواق الشعبية، ولم ينعكس الدعم على أسعار الخروف الذي ظل يحلّق في أسعار خيالية. وهنا بالضبط يظهر مفهوم “الفراقشية” في معناه السياسي المعاصر: ليس مجرد سرقة الماشية من الإسطبلات كما كان في الأصل، بل تحولت الكلمة في المخيال الشعبي إلى استعارة تجسد “نهب المال العام، والاستفادة غير المشروعة من الثروة، وخرق قواعد العدالة” . إنها المرآة التي تعكس فقدان المجتمع الثقة في اللغة الرسمية، فاستنجد بقاموسه الشعبي كي يعبر عن الأشياء كما يشعر بها لا كما تدون في التقارير .

هكذا، بين تصريحات الوفرة وفشل الاستيراد، بين أكذوبة الدعم وجشع الوسطاء، يكتشف المواطن أن “العيد” الذي تحدث عنه المسؤولون ليس سوى سراب. وكما وقف المتنبي ساخطًا على زمن كافور وبطانته، يقف المغاربة اليوم أمام أسواق خاوية من الأضاحي ومليئة بالوعود، يرددون بمرارة: “عيد بأي حال عدت يا عيد”. وبين جور “النواطير” قديمًا وجور “الفراقشية” حديثًا، تبقى الحقيقة مرة: نحن لا نزال نعاني، لا من قلة الماشية وحدها، بل من كثرتهم هم الذين يرعون المال العام ويسمنون على موائد الفقراء.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث