تقرير خاص: تحقيق في واقع أسواق الأضاحي قبل أسابيع من حلول عيد الأضحى
لم يعد الحديث عن “العيد الكبير” في المغرب هذا العام يقتصر على طقوسه الدينية وفرحة الأطفال، بل تحول إلى نقاش عمومي ساخن يختلط فيه الدين بالاقتصاد، وتتصارع فيه الأرقام الرسمية المتفائلة مع واقع الأسواق الذي ينذر بأزمة قدرة شرائية حادة. فقبل أسابيع قليلة من حلول عيد الأضحى 2026، يقف المواطنون في حيرة وقلق، يتأرجحون بين الرغبة في إحياء الشعيرة الإسلامية، والخوف من تكلفة باتت، بالنسبة للكثيرين، تتجاوز حدود المعقول.

صدمة “الاسواق”.. ثمن الأضحية يتحدى المنطق
على الرغم من المعطيات المناخية والاقتصادية التي كان يُفترض أن تُسهم في انخفاض الأسعار، إلا أن “صدمة السواني” كانت قوية هذا العام. فقد تفاجأ الراغبون في اقتناء الأضاحي بأثمان مرتفعة جداً، حيث تتراوح أسعار الخرفان ما بين 4500 و7000 درهم، بل وأكثر بالنسبة للسلالات المرغوبة كـ”الصردي”، وهو ما يفوق القدرة الشرائية لشريحة عظمى من المغاربة.
ما يثير الاستغراب أن هذه الأسعار تأتي في سياق وطني وفلاحي يفترض أن يكون “مبشراً”. فالموسم الفلاحي لهذه السنة عرف -والحمد لله- تساقطات مطرية غزيرة وهامة همّت كافة جهات المملكة تقريباً، وهو ما تؤكده وزارة الفلاحة بإعلانها أن إنتاج الحبوب سيبلغ 90 مليون قنطار، مع وفرة ملحوظة للكلأ الطبيعي في المراعي. منطقياً، هذه الوفرة تعني تقليصاً كبيراً لمصاريف العلف التي كانت تثقل كاهل “الكسّابة” في سنوات الجفاف الماضية.
لم تقف الدولة مكتوفة الأيدي أمام انهيار القطيع الوطني في السنوات الماضية. فبتعليمات سامية من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تم إطلاق برنامج طموح لإعادة تشكيل القطيع الوطني بغلاف مالي ضخم بلغ 12.8 مليار درهم لسنتي 2025 و2026. هذا البرنامج تضمن دعماً مالياً مباشراً لكل “كسّاب” على كل رأس غنم يتم إحصاؤه وترقيمه، فضلاً عن دعم خاص للحفاظ على إناث الأغنام لضمان استمرارية التوالد ومنح تصل إلى 400 درهم لأنثى الغنم الواحدة.

كما أن الإعفاءات التي أمر بها جلالته على استيراد المواشي كانت كفيلة بإعادة القطيع الوطني إلى مستوياته الطبيعية وتوفير رؤوس الأغنام بشكل كافٍ. كل هذه المؤشرات، وفقاً لمنطق السوق البسيط، كان يجب أن تؤدي إلى استقرار الأسعار، إن لم يكن إلى انخفاضها لتكون “في المتناول”، لكن الواقع الذي نعيشه اليوم في الأسواق الشعبية، وحتى في الفضاءات الكبرى مثل أسواق “مرجان”، حيث يُباع الكبش بـ 75 درهماً للكيلوغرام، يروي قصة مختلفة تماماً.
“الشناقة” في الواجهة.. وسياسة “خلّيه يبعبع”
هنا، تتجه أصابع الاتهام بقوة إلى ظاهرة الوسطاء والمضاربين، أو ما يُعرف في القاموس الشعبي بـ”الشناقة”. هؤلاء يستغلون تدافع الطلب على الأضاحي في هذه الفترة القصيرة من السنة ليخلقوا سوقاً موازية تتحكم في مسار التسعير. وتبرز التساؤلات حول جدوى جهود وزارة الداخلية ومحاولات تنظيم الأسواق والابتعاد عن السوق غير المرخصة، في ظل استمرار هذه الممارسات التي تمتص الدعم الحكومي قبل أن يصل إلى جيب المواطن.
في خضم هذا الوضع، تبرُز على منصات التواصل الاجتماعي وفي أحاديث الشارع دعوات جادة لـ”المقاطعة”. هناك فئة واسعة من المواطنين أصبحت اليوم على قناعة راسخة بأنها “لن تشتري الأضحية” إن هي ارتفعت عن ثمنها المعهود. عبارة “خلّيه يبعبع” التي نسمعها في الأسواق تعكس تحولاً في المزاج العام، حيث يرى كثيرون أن التضحية بالشعيرة سنة وليست فرضاً، خاصة إن كانت ستؤدي إلى استدانة المواطن أو بيع ممتلكاته.
تريث المواطن… خوف أم بداية وعي جديد؟
هذا العام، يختلف سلوك المستهلك المغربي بشكل ملحوظ. فالخوف والترقب يسيطران على المشهد، حيث يُؤجل الكثيرون الشراء إلى آخر لحظة، على أمل أن تؤدي المقاطعة الشعبية أو “التريث” إلى كسر الأسعار في الأيام القليلة التي تسبق العيد. “أنا متأكد أن الأسعار سوف تهوي في الأيام الأخيرة… اقرررت عدم الشراء حتى اليوم الأخير”، يقول أحد المعلقين على إحدى المنصات الإخبارية، في إشارة إلى قناعة بأن العرض كبير والطلب قد لا يستوعبه.
ويزداد هذا التوجه تعزيزاً بفتوى الكثير من العلماء بأن الأضحية سنة مؤكدة وليست واجبة، محذرين من الاقتراض لأجلها أو تحميل النفس ما لا تطيق. هذه الفتاوى أصبحت تجد آذاناً صاغية لدى شريحة عريضة من المغاربة المنهكين من ضغط الأسعار المتواصل على مختلف السلع الأساسية.
ويبقى السؤال المحوري الذي يؤرق بال المواطن: إذا كانت مؤشرات الموسم الفلاحي إيجابية، والدعم الحكومي قائماً، والقطيع الوطني يتعافى، لماذا لا تزال أسعار الأضاحي بعيدة عن “المتناول”؟ الجواب قد لا يكون في الضيعات أو عند الكساب الصغير، بل في حلقات التسويق التي يديرها الوسطاء والمستفيدون من حالة الفوضى، مما يستدعي يقظة أكبر من الجهات المختصة لإعادة السوق إلى حجمه الطبيعي، وحماية للمواطن من الجشع، وحفاظاً على هذه الشعيرة الدينية العظيمة من أن تتحول إلى امتياز للأغنياء فقط.

Comments
0