«كتلة» بقيادة «البام».. إحياء للكتلة الديمقراطية أم استثمار في رصيدها التاريخي؟ - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |متفرقات

«كتلة» بقيادة «البام».. إحياء للكتلة الديمقراطية أم استثمار في رصيدها التاريخي؟

FB_IMG_1791835888170

في المشهد السياسي المغربي، حيث تتغير التحالفات وتتبدل مواقع الأحزاب بين المعارضة والأغلبية، يبرز التقارب بين حزب الأصالة والمعاصرة وأحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية باعتباره واحدة من أكثر المفارقات السياسية إثارة للنقاش. فهل نحن أمام عودة فعلية لروح الكتلة الديمقراطية، أم أمام تحالف جديد يستعير اسم الماضي ورمزيته لخدمة توازنات الحاضر؟

السؤال ليس مجرد نقاش حول تسمية سياسية، بل يتعلق بمعنى التحالف نفسه، وبمدى قدرة أحزاب راكمت تاريخاً من النضال والتنافس والاختلاف على تقديم مشروع مشترك، في وقت أصبح فيه حزب الأصالة والمعاصرة في موقع متقدم داخل هذه المعادلة.

الكتلة الديمقراطية.. حين كان للتحالف معنى يتجاوز المقاعد

لم تكن الكتلة الديمقراطية التي تأسست سنة 1992 مجرد تجمع انتخابي هدفه تجميع المقاعد أو اقتسام مواقع المسؤولية. لقد ارتبطت بمرحلة سياسية دقيقة، حملت خلالها أحزابها مطالب إصلاحية تتعلق بالدستور، وتوازن السلط، واستقلال القضاء، وتوسيع الحريات، وترسيخ العدالة الاجتماعية.

وكانت تجربة التناوب التوافقي سنة 1998 إحدى المحطات البارزة التي أكدت أن التحالفات السياسية يمكن أن تتحول إلى لحظات مفصلية في تاريخ البلاد، متى استندت إلى رؤية مشتركة وإرادة سياسية تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.

غير أن الزمن السياسي لم يتوقف عند تلك المرحلة. فقد تراجعت وحدة الكتلة، وتباعدت مواقف مكوناتها، ودخلت أحزابها في تحالفات مختلفة، حتى أصبحت الكتلة أقرب إلى ذاكرة سياسية مشتركة منها إلى إطار موحد يمارس دوراً فعلياً في المشهد الحزبي.

ومن هنا تبدأ المفارقة: هل يكفي أن تجتمع بعض مكونات الكتلة التاريخية في تحالف واحد حتى نتحدث عن عودتها؟ أم أن استعادة الاسم أسهل بكثير من استعادة المشروع الذي منح ذلك الاسم معناه؟

«البام».. من موقع الخصومة إلى موقع القيادة

تتضاعف المفارقة عندما يتعلق الأمر بحزب الأصالة والمعاصرة، الذي دخل الحياة السياسية المغربية سنة 2008 في سياق طبعه التنافس الحاد مع عدد من الأحزاب القائمة، وفي مقدمتها قوى سياسية كانت تنظر إلى صعوده بقدر كبير من التحفظ والانتقاد.

وقد شهدت العلاقة بين «البام» وأحزاب الكتلة السابقة جولات من التنافس الانتخابي والسياسي، ولم يكن التقارب بينها أمراً بديهياً أو نتيجة مسار تاريخي متصل.

لكن التحالفات السياسية لا تعترف دائماً بالخطوط الفاصلة التي رسمتها الخصومات السابقة. فما كان موضع خلاف بالأمس قد يصبح أرضية للتعاون اليوم، وما كان يُقدَّم باعتباره اختلافاً جوهرياً قد يتحول إلى تفصيل قابل للتجاوز عندما تتغير الحسابات والأولويات.

وهنا يحق للرأي العام أن يطرح سؤالاً مباشراً: ما الذي تغير تحديداً؟ هل تغيرت مواقف الأحزاب من بعضها بعضاً؟ هل تطورت مرجعياتها وبرامجها؟ أم أن ضرورات المرحلة الانتخابية جعلت ما كان مستبعداً بالأمس ممكناً اليوم؟

ليس في تغيير المواقف عيب في حد ذاته، فالسياسة تقوم على المراجعة والتكيف. لكن المشكلة تبدأ عندما لا يصاحب هذا التغيير تفسير سياسي واضح، وعندما يُطلب من الناخب التعامل مع التحالف الجديد كما لو أنه نتيجة طبيعية لمسار لم يكن في الواقع خالياً من التناقضات.

هل تستوعب الكتلة «البام» أم يعيد «البام» ترتيب الكتلة؟

هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فبدلاً من أن يكون التقارب مناسبة لاستعادة التوازن التاريخي بين مكونات الكتلة، نجد أنفسنا أمام تحالف يتصدره حزب الأصالة والمعاصرة، بما يطرحه ذلك من أسئلة حول توزيع الأدوار وموازين التأثير داخله.

إن الأحزاب لا تُقاس فقط بتاريخها، بل أيضاً بوزنها الانتخابي وقدرتها على التأثير في القرار. غير أن التاريخ السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد رصيد رمزي تستحضره الأحزاب عند الحاجة، ثم تتعامل معه باعتباره تفصيلاً ثانوياً عندما تبدأ مفاوضات المواقع والمسؤوليات.

فإذا كانت أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية تستحضر إرث الكتلة الديمقراطية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الذي ستضيفه هذه المرجعية إلى التحالف الجديد؟ وهل ستشكل أساساً لبرنامج سياسي مشترك، أم ستظل مجرد عنوان جذاب يُستخدم لتقديم تحالف تحكمه أساساً حسابات الأغلبية؟

وفي المقابل، هل يسعى «البام» إلى بناء شراكة متكافئة مع أحزاب تمتلك تاريخاً سياسياً وفكرياً مختلفاً، أم أن الوزن الانتخابي سيجعل بقية المكونات في موقع المساند، بينما تبقى المبادرة والتوجيه بيد الحزب الأقوى داخل التحالف؟

إن الإجابة لا تُحسم بالتصريحات ولا بالبيانات المشتركة، وإنما بطريقة تدبير القرار، وصياغة البرنامج، وتوزيع المسؤوليات، ومدى قدرة كل مكون على التأثير الفعلي في الاختيارات الكبرى.

من المبادئ إلى الحسابات.. أين تقف الأحزاب من ماضيها؟

لا يمكن تجاهل أن أحزاب الكتلة الديمقراطية راكمت، عبر عقود، خطاباً سياسياً ارتبط بالإصلاح والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. كما أن حزب الأصالة والمعاصرة بنى تجربته على مرجعية سياسية خاصة، وعلى تصورات وبرامج خاض بها المنافسة الانتخابية.

وإذا كانت هذه الاختلافات لم تمنع التقارب، فإن ذلك يفتح الباب أمام سؤال أعمق: هل نجح الشركاء في بلورة أرضية سياسية جديدة تستوعب اختلافاتهم، أم أن الاتفاق على المشاركة في الأغلبية سبق الاتفاق على مضمون المشروع الذي ستدافع عنه هذه الأغلبية؟

الفرق بين الحالتين كبير. ففي الأولى، نكون أمام تطور سياسي حقيقي، يعيد صياغة العلاقات بين الأحزاب على أساس مراجعة فكرية وبرنامجية واضحة. أما في الثانية، فنكون أمام تحالف عملي فرضته توازنات المرحلة، بينما تُترك الخلافات الجوهرية إلى وقت لاحق.

وهنا لا يتعلق الأمر بمحاكمة الأحزاب على قراراتها السابقة، بل بمطالبتها بالوضوح في قراراتها الحالية. فمن حق أي حزب أن يغير موقعه، ومن حق أي قيادة أن تعيد تقييم تحالفاتها، لكن من حق الناخب أيضاً أن يعرف ما إذا كان هذا التحول مبنياً على اقتناع سياسي أم على ضرورة حسابية.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب العمل الحزبي ليس تغيير التحالفات، بل تحول المبادئ إلى شعارات قابلة للتوظيف بحسب الظرف، وتحول الذاكرة النضالية إلى ورقة سياسية تُستحضر لتجميل الحاضر دون أن يكون لها أثر ملموس في صناعة القرار.

«كتلة» بأوزان متفاوتة.. هل يكفي الانسجام المعلن؟

تُظهر التوازنات الانتخابية داخل أي تحالف أن الأحزاب لا تدخل المفاوضات بالوزن نفسه، ولا تمتلك بالضرورة القدرة ذاتها على التأثير في القرار. وهذه حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها، لكنها لا تعني أن الحزب الأكبر ينبغي أن يكون صاحب الكلمة الوحيدة.

فالأغلبية القوية ليست بالضرورة تلك التي يتصدرها حزب واحد، بل تلك التي تستطيع تحويل تفاوت أحجام مكوناتها إلى تكامل في الأدوار والخبرات. أما إذا تحول الفارق الانتخابي إلى تفاوت دائم في التأثير، فقد يصبح الحديث عن الشراكة مجرد توصيف رسمي لعلاقة غير متوازنة.

ومن هذه الزاوية، فإن وجود «البام» في موقع متقدم يضعه أمام اختبار سياسي واضح: هل يستطيع قيادة تحالف متعدد المرجعيات على أساس التوافق واحترام الشركاء، أم أن منطق القوة العددية سيطغى على منطق الشراكة؟

وفي المقابل، تواجه أحزاب الكتلة السابقة اختباراً لا يقل أهمية: هل ستدخل هذا التحالف باعتبارها مكونات تمتلك برامج وخيارات مستقلة، أم ستكتفي بالاستناد إلى رصيدها التاريخي لتبرير تموقعها داخل الأغلبية؟

إن قيمة كل حزب لا تتحدد فقط بعدد مقاعده، كما أن تاريخه لا يمنحه حصانة من المساءلة. فالمعيار الحقيقي هو مدى قدرته على الدفاع عن برنامجه، والتأثير في القرار، وتحمل مسؤوليته أمام الناخبين.

إحياء الكتلة أم توظيف رمزيتها؟

إن وصف هذا التحالف بأنه عودة للكتلة الديمقراطية يظل، في حد ذاته، موضع نقاش. فالكتلة التاريخية نشأت في سياق مختلف، واستندت إلى أولويات سياسية وإصلاحية محددة، بينما يتشكل التقارب الحالي في ظل حسابات انتخابية وبرلمانية جديدة.

ولا يعني ذلك أن التحالف الجديد يفتقر بالضرورة إلى القيمة السياسية، أو أن التعاون بين أحزاب مختلفة المرجعيات أمر سلبي. على العكس، قد يكون تجاوز الخصومات القديمة مؤشراً على نضج الممارسة الحزبية، شرط أن يقترن بوضوح في الرؤية وصدق في الالتزامات.

لكن استحضار اسم الكتلة الديمقراطية يفرض مسؤولية إضافية على الأحزاب التي ارتبطت بها تاريخياً. فليس من الإنصاف اختزال تجربة سياسية امتدت لسنوات في مجرد تقاطع جديد للمصالح، كما ليس من الدقة اعتبار كل تحالف يضم بعض مكوناتها امتداداً تلقائياً لتلك التجربة.

وإذا أراد الشركاء تقديم هذا التقارب باعتباره تطوراً نوعياً في الحياة السياسية، فعليهم أن يوضحوا ما الذي يجعله أكثر من مجرد أغلبية جديدة، وما الذي يميزه عن التحالفات التي تُبنى على أساس توزيع المسؤوليات وضمان الاستقرار العددي.

فالتاريخ لا يمنح الشرعية السياسية بشكل مجاني، والذاكرة الحزبية ليست ملكاً حصرياً للقيادات التي تتحدث باسمها، بل هي رصيد مشترك يخضع للتقييم والنقاش والمقارنة بين ما رُفع من شعارات وما تحقق من نتائج.

خاتمة: التاريخ لا يُقاس بالأسماء بل بالمواقف

إن التحالف الذي يجمع حزب الأصالة والمعاصرة بأحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية يضع المشهد الحزبي المغربي أمام مفارقة واضحة: أحزاب جمعتها في مرحلة سابقة رهانات سياسية مشتركة، ثم فرقتها مسارات مختلفة، تجد نفسها اليوم أمام صيغة جديدة للتعاون يتقدم فيها «البام» إلى موقع قيادي.

ولا تكمن المسألة في الاعتراض على هذا التقارب لمجرد أنه يجمع أطرافاً كانت مختلفة في الماضي، فالتطور السياسي يقتضي أحياناً تجاوز الخصومات وإعادة بناء العلاقات. وإنما تكمن في السؤال عما إذا كان هذا التحالف يحمل مشروعاً سياسياً جديداً، أم أنه يكتفي بتجميع قوى حزبية تحت سقف أغلبية واحدة.

إن الكتلة الديمقراطية التاريخية كانت تجربة مرتبطة بسياقها وأهدافها، ولا يمكن استنساخها بمجرد إعادة جمع بعض مكوناتها. أما التحالف الجديد، فعليه أن يثبت أن اختلاف مرجعياته يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة، وأن التوافق بين أطرافه يتجاوز حدود المصالح الانتخابية.

فإذا كان «البام» يقود اليوم تحالفاً يضم أحزاب الكتلة السابقة، فإن السؤال ليس من يقود ومن يتبع فحسب، بل من يمتلك المشروع، ومن يصنع القرار، ومن يستطيع أن يفسر للناخبين كيف انتقلت الخصومة إلى الشراكة.

ذلك هو الاختبار الحقيقي: ليس اختبار الأسماء ولا اختبار الذاكرة، بل اختبار المصداقية السياسية. فالأحزاب قد تغير مواقعها، والتحالفات قد تتبدل، لكن ما لا ينبغي أن يتغير هو حق المواطن في معرفة دوافع هذه التحولات، ومحاسبة أصحابها على نتائجها.

فالكتلة لا تعود بمجرد اجتماع أسمائها، والتاريخ لا يُستعاد بالاستعانة برموزه؛ بل يُستحق من جديد حين تتحول المبادئ المعلنة إلى قرارات واضحة، وبرامج قابلة للتنفيذ، ونتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث