منصّات التواصل: هل قرّبتنا فعلًا أم عمّقت وحدتنا؟ - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

منصّات التواصل: هل قرّبتنا فعلًا أم عمّقت وحدتنا؟

IMG_20250317_105746

منصّات التواصل: هل قرّبتنا فعلًا أم عمّقت وحدتنا؟

في زمنٍ لم يعد فيه الصمت ممكنًا، صرنا نتحدّث أكثر… لكن نفهم أقل.
نكتب يوميًا، نعلّق، نشارك، نضحك افتراضيًا، ومع ذلك نشعر بوحدةٍ أثقل من أي وقتٍ مضى.
فهل قرّبتنا منصّات التواصل الاجتماعي فعلًا، أم أنها أعادت تعريف العزلة بشكلٍ أكثر قسوة ودهاء؟
ظهرت هذه المنصّات بوعدٍ إنساني جميل: تقريب المسافات، كسر العزلة، ربط البشر ببعضهم.
غير أنّ الواقع كشف وجهًا آخر؛ عالمًا مكتظًا بالصور والكلمات، لكنه فقير في الدفء الحقيقي.
صرنا نعرف تفاصيل حياة الآخرين، دون أن نعرف أحوالهم النفسية، نرى ابتساماتهم المصفّاة بالفلاتر، ونجهل دموعهم التي لا تُنشر.
منصّات التواصل لم تُلغِ الوحدة، بل جمّلتها.
حوّلت الألم إلى “ستوري”، والحزن إلى منشور ينتظر الإعجاب، والإنسان إلى رقمٍ في لائحة المتابعين.
كلما زاد التفاعل، زاد الجوع إلى المزيد، وكأن القبول الإنساني صار مشروطًا بعدد القلوب الزرقاء والحمراء.
الأخطر من ذلك، أنّ هذه المنصّات أعادت تشكيل العلاقات.
الصداقة لم تعد لقاءً، بل متابعة.
الاهتمام لم يعد سؤالًا صادقًا، بل تعليقًا عابرًا.
والحضور لم يعد جسديًا أو وجدانيًا، بل “أونلاين” بلا روح.
تحت هذا السطح اللامع، تتنامى ظواهر مقلقة:
القلق، المقارنة المرضية، الشعور بالنقص، والخوف الدائم من عدم الظهور أو عدم الأهمية.
حياة الآخرين المعروضة بعناية تُقنع الإنسان، دون وعي، بأن حياته أقل قيمة، أقل نجاحًا، أقل جمالًا.
لقد قرّبتنا منصّات التواصل شكليًا، لكنها أبعدتنا إنسانيًا.
صرنا نختبئ خلف الشاشات بدل أن نواجه بعضنا، نكتب ما لا نجرؤ على قوله، ونهرب من العلاقات الحقيقية لأنها تتطلّب جهدًا، صبرًا، وتحمّلًا للاختلاف.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال المشكلة في المنصّات وحدها.
المشكلة في كيفية استخدامنا لها، وفي الفراغ الذي نحاول ملأه بها.
فالإنسان الذي يمتلك علاقات حقيقية، لا يستبدلها بوهمٍ رقمي، بل يستخدم هذه الوسائط كأدوات، لا كبدائل عن الحياة.
ربما حان الوقت لنسأل أنفسنا بصدق:
هل نعيش لنشارك، أم نشارك لأننا لم نعد نعيش؟
هل نبحث عن التواصل، أم عن الاعتراف؟
وهل ما زلنا قادرين على الإصغاء الحقيقي، بعيدًا عن الشاشات؟
منصّات التواصل ليست شرًا مطلقًا، لكنها مرآة صادقة لما نحن عليه.
فإمّا أن نستخدمها لمدّ الجسور، أو نتركها تحوّلنا إلى جزرٍ معزولة، مزدحمة بالكلمات… وخاوية من المعنى.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث