فيديو قصير مدته ثوانٍ، يظهر شخصا يجوب شوارع وجدة رفقة صديقته على دراجة نارية من نوع “هيغلوند”، حاملاً سلاحاً أبيض، يهدد ويُروّع، وكأنه يملك الشارع. انتشر الفيديو كالنار في الهشيم، لكن الأخطر ليس الفيديو في حد ذاته، بل تعليقات الناس: “عادي، شفناه البارح”، و”كل نهار هكذا”.
هنا تكمن الكارثة: حين يصبح “الطغيان” و”البلطجة” مشهداً عادياً في عاصمة الشرق. فما الذي أوصل وجدة إلى هذه النقطة؟ ومن المسؤول؟
إن السلاح الأبيض الظاهر في الفيديو ليس سوى قمة جبل الجليد، فالظاهرة أعمق من ذلك بكثير.
بحيث توجد مجموعات من “الشمكارة” تفرض قانونها الخاص، والبزنازة يبيعون أمام المدارس، ومن يتحدث أو يعترض يتعرض للتهديد. الشارع، الذي يُفترض أن يكون ملكاً عاماً، أصبح في بعض الأحيان “إقطاعية” للأقوى.
وإلى جانب ذلك، هناك احتلال للملك العمومي، وباعة متجولون يسدون الطرقات، ومقاهٍ تضع كراسيها حتى منتصف الشارع، فأصبح المواطن البسيط يشعر بالغربة داخل مدينته.
كما أن الإنارة العمومية المعطلة، والحدائق المغلقة، والمرافق الشبابية المهملة، كلها مؤشرات على واقع يحتاج إلى معالجة شاملة.
فيديو السلاح الأبيض ليس السبب، بل هو نتيجة لمناخ كامل.
ولمعالجة الوضع، ينبغي التوجه إلى الجذور لا الاكتفاء بمظاهر المشكلة.
فالقانون موجود، لكن الإحساس بالعقاب غائب. حين يهاجم شاب بسلاح أبيض، ويتم تصويره وتداول صوره أو مقاطعه، ثم يخرج دون أن يشعر الناس بوجود ردع حقيقي، فإن ذلك يبعث برسالة سلبية مفادها: “افعل ما شئت، فلن يحدث شيء”. كما أن غياب الحملات الاستباقية والردع السريع والحازم ساهم في خلق “منطقة رمادية” يتحرك فيها البلطجي بأريحية.
كما أن وجدة مدينة حدودية، ويعاني جزء من شبابها من البطالة والتهميش. فعندما تُغلق أبواب الشغل والكرامة، تُفتح أبواب الشارع والانحراف. وأصبح السلاح الأبيض لدى البعض وسيلة لفرض الوجود أو تحقيق مكاسب غير مشروعة. صحيح أن الفقر ليس مبرراً للجريمة، لكنه قد يشكل بيئة خصبة لانتشارها.
في الماضي، كان حمل السلاح في الشارع أمراً معيباً ومرفوضاً اجتماعياً، أما اليوم فقد أصبح لدى البعض وسيلة للتباهي عبر منصات التواصل الاجتماعي. كما أن تراجع أدوار الأسرة والمدرسة والمسجد في التأطير والتوجيه ساهم في بروز سلوكيات تمجد القوة الجسدية على حساب القانون والاحترام. وزادت وسائل التواصل الاجتماعي من تفاقم الظاهرة حين حولت بعض المنحرفين إلى نماذج تحظى بالمتابعة والاهتمام.
وفي المقابل، غالباً ما يتحرك المسؤولون بعد انتشار فيديو أو واقعة تصل إلى الرأي العام، فتُسجل اعتقالات وتصدر تصريحات، لكن بعد فترة قصيرة يعود الوضع إلى ما كان عليه. لذلك تبرز الحاجة إلى سياسات طويلة الأمد تشمل ملاعب القرب، ومراكز التكوين، ودعم المبادرات الشبابية. فالنتيجة الحالية تشبه إطفاء الحريق دون معالجة مصدره.
إن الحل الأمني ضروري، لكنه وحده غير كافٍ. فالأمر يحتاج إلى “خطة إنقاذ” متعددة الأبعاد.
أولاً: اعتماد مبدأ عدم التسامح مع حمل السلاح الأبيض، من خلال حملات تمشيطية مستمرة، وكاميرات مراقبة في النقاط السوداء، وتفعيل القوانين ذات الصلة. لكن الحزم يجب أن يكون في إطار القانون، لأن العدالة هي التي تردع، لا الانتقام.
ثانياً: فتح آفاق حقيقية أمام الشباب عبر مشاريع تشغيل، وتكوين مهني يواكب سوق الشغل، ودعم المقاولات الصغيرة. فحين يجد الشاب كرامته في العمل، لن يبحث عنها في حمل السلاح أو فرض القوة.
ثالثاً: إعادة الاعتبار لدور المدرسة والأسرة والجمعيات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية وفنية داخل الأحياء الشعبية، حتى يجد الشباب فضاءات إيجابية لتفريغ طاقاتهم وإبراز مواهبهم. كما أن الإعلام المحلي مطالب بالمساهمة في محاربة تطبيع البلطجة وتسليط الضوء على النماذج الناجحة من أبناء وجدة.
خلاصة القول، إن وجدة ليست مدينة سكاكين وتهديد، بل مدينة العلماء والأدباء والتجار. وفيديو واحد لا يمكن أن يختزل هويتها.
لكن السكوت عن مثل هذه السلوكيات قد يفتح الباب أمام تكرارها. فالطغيان يبدأ صغيراً: كرسي في الطريق، أو كلمة تهديد، أو سكين في الجيب… وإذا لم تتم مواجهته منذ البداية، فقد يتحول إلى ظاهرة يصعب احتواؤها.
السؤال المطروح:
هل نريد لأبنائنا أن يخرجوا إلى الشارع وهم يشعرون بالخوف، أم نريد أن نستعيد صورة وجدة التي كان الناس يصفونها بمدينة الرجال وناس الخير؟


Comments
0