حين يتحوّل المحتوى إلى معول للهدم… و“مولينيكس” جرس إنذار يوقظ ما تبقّى من الوعي - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |مجتمع

حين يتحوّل المحتوى إلى معول للهدم… و“مولينيكس” جرس إنذار يوقظ ما تبقّى من الوعي

IMG-20251124-WA0099

في زمنٍ لم يعد فيه حجم المعرفة معياراً للقيمة، صار بعض صانعي المحتوى يعتقدون أنّ الطريق إلى “الترند” مفروش بالضوضاء، وأن الوصول إلى الجمهور يمرّ عبر بوابة الابتذال، وأن السقوط الأخلاقي ليس سوى “أسلوب جديد”. وسط هذا المشهد المربك، جاءت قضية الـ“تيكتوكر” الملقّب بـ“مولينيكس” لتضع خطوطاً حمراء تحت سؤالٍ جوهري: إلى أي مدى يمكن أن تذهب فئة تبحث عن الشهرة حين يغيب الوعي وتُسقط الأخلاق؟

قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بطنجة أمر، يوم الأحد، بإيداع المعني سجن “طنجة 2”، بعد توقيفه بمراكش ونقله إلى طنجة حيث عُرض على الوكيل العام للملك. ويواجه “مولينيكس” تهمًا خطيرة تتعلق ـ وفق المعطيات القضائية المتداولة ـ بـ“تحريض القاصرين على ممارسة البغاء، الإخلال بالحياء العام، وشبهات بالاتجار بالبشر عن طريق الاستغلال الجنسي”. وهي تهم ثقيلة، يبتّ فيها القضاء وحده، لكن دلالاتها تتجاوز شخص المتابع إلى ظاهرة كاملة تتغذّى على الانحدار.

ما يثير القلق حقاً أن منصات التواصل تحوّلت إلى ساحات تستقبل كل أشكال السطحية، بلا غربلة ولا مسؤولية. صار من المعتاد أن يظهر “مؤثر” يستهزئ بالقيم، أو يتاجر بالمشاهدات بأساليب تستفز الحياء العام، ثم يجد آلاف المتابعين يصفقون له باسم الحرية. حرية؟ بأي معنى؟ أهي حرية الكسر أم حرية البناء؟ حرية إفساد الذوق أم حرية الارتقاء بالوعي؟ إن هذا النمط من “النجومية المصنوعة” لم يعد مجرد صدفة، بل صار صناعة تُشرعن الرداءة، وتمنح الانحلال عصا قيادة الرأي العام.

المؤسف أكثر أن هذا المحتوى لا يكتفي بالسقوط، بل يسحب معه جيلاً كاملاً نحو هاوية التطبيع مع الانحراف. فيديو واحد قادر على تلويث وعي قاصر، ومقطع عابر قد يخلّف أثراً أخطر مما نتصوّر. وهنا تكمن الخطورة: في قدرة المحتوى الرديء على تشكيل العقول دون أن يشعر المجتمع بأنه يتدهور ببطء.

قضية “مولينيكس” يجب ألا تُقرأ باعتبارها حادثاً معزولاً، بل جرس إنذار يوقظ ما تبقّى من وعي جماعي. فالمطلوب اليوم ليس متابعة قضائية لشخص واحد فقط، بل مراجعة حقيقية للمنظومة الرقمية التي تتيح للصوت الأكثر ضجيجاً أن يطغى على الصوت الأكثر نفعاً. المطلوب صحوة، لا مجرد صدمة. المطلوب ضبط مسؤوليات صانع المحتوى، لا ترك الفضاء مفتوحاً لسوء النية.

صحيح أنّ القانون سيتكفّل بما يراه عدلاً، لكن المجتمع بدوره مطالب بأن يقول كلمته: لا لابتذال العقول، لا لتطبيع السقوط، ولا لتحويل المنصات إلى مسرح لإفساد القيم.

قد تتغير الأسماء والوجوه… لكن يبقى السؤال: هل نتعلم من الدرس قبل أن ندفع ثمنه مضاعفاً؟

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث