بين واقعة العبور وغياب الدليل: قراءة في أزمة سبتة ومسؤولية الخطاب | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

بين واقعة العبور وغياب الدليل: قراءة في أزمة سبتة ومسؤولية الخطاب

مع الحدث

لم تعد الأحداث التي شهدتها سبتة منذ 30 يوليوز 2026 مجرد أزمة هجرة عابرة، بعدما تحولت في جزء من التغطية الإعلامية والسياسية الإسبانية إلى مناسبة لتوجيه اتهامات مباشرة إلى المغرب، وصلت في بعض التصريحات والتغطيات إلى استعمال مفردات من قبيل “الغزو” و”الاجتياح” و”الضغط المهاجري”، بل وربط الأزمة بما وصفته بعض الأصوات الإسبانية بمحاولة مغربية لزعزعة استقرار المدينة.

ومن حق الإعلام الإسباني أن يناقش أزمة سبتة وأن ينتقد أداء حكومته ومؤسساته، لكن من حق الإعلام المغربي، في المقابل، أن يرفض تحويل الاستنتاجات والاتهامات غير المثبتة إلى حقائق إعلامية، وأن يدافع بوضوح ومسؤولية عن سيادة المغرب على أراضيه، وعن موقف المملكة الثابت تجاه الأراضي المغربية الواقعة تحت السيطرة الإسبانية، وفي مقدمتها سبتة ومليلية، من دون الانجرار إلى لغة الإساءة أو التحريض.

والأهم أن الوقائع التي ظهرت لاحقا داخل إسبانيا نفسها تفرض قدرا أكبر من التروي في توجيه الاتهامات إلى الرباط.

30 يوليوز.. أزمة إنسانية تتحول سريعا إلى رواية سياسية

في 30 يوليوز، شهدت سبتة دخولا جماعيا لأعداد كبيرة من المهاجرين القادمين من الجانب المغربي، وسط ظروف إنسانية وأمنية بالغة الصعوبة، فيما تحدثت الصحافة الإسبانية عن سقوط ضحايا خلال محاولات العبور. ومنذ الساعات الأولى، لم تقتصر التغطية على وصف ما حدث، بل بدأت بعض العناوين والتعليقات السياسية في تقديمه باعتباره “اجتياحا” أو فعلا منظما تقف وراءه جهة خارجية، قبل أن تتوافر أدلة علنية تثبت مسؤولية الدولة المغربية عن تنظيم العملية أو توجيهها.

وهنا تكمن المشكلة: العبور الجماعي للمهاجرين واقعة، أما نسبته إلى قرار رسمي مغربي أو اعتباره عملا موجها من الدولة المغربية فادعاء يحتاج إلى دليل.

18 غشت.. اتهام مباشر من رئيس حكومة سبتة

في 18 غشت، صعد رئيس حكومة سبتة، “خوان خيسوس فيفاس”، لهجته تجاه المغرب، متحدثا عن “ضغط مهاجري” بهدف “زعزعة” المدينة ووضع ما وصفه بــ”السيادة الإسبانية” تحت الضغط، كما استخدم تعبير “الغزو” في وصف تداعيات الأزمة. وبعيدا عن الخلاف السياسي حول وضع سبتة، فإن توجيه اتهام من هذا النوع إلى دولة بأكملها يقتضي تقديم أدلة واضحة، لا الاكتفاء بحجم الأزمة أو بمصدر وصول المهاجرين.

25 غشت.. مدريد نفسها تكشف حجم الغموض

في 25 غشت، ظهرت تناقضات داخل الحكومة الإسبانية بشأن ما إذا كانت أجهزة الاستخبارات قد حذرت مسبقا من احتمال وقوع دخول جماعي واسع. وزيرة الدفاع “مارغريتا روبليس” أقرت أمام البرلمان بأن الحكومة “تصرفت بشكل سيئ وتأخرت” في التعامل مع الأزمة، واعتذرت لسكان سبتة، بينما كشفت التغطية البرلمانية عن استمرار الخلاف حول طبيعة المعلومات التي كانت متوافرة لدى أجهزة الدولة قبل الأحداث.

وفي الجلسة نفسها، رفض ممثل حزب سومار وصف ما حدث بأنه “غزو”، معتبرا أنه يتعلق بأزمة هجرة واسعة. وهذا يؤكد أن استعمال كلمة “غزو” ليس وصفا محايدا للوقائع، وإنما اختيار سياسي وإعلامي محل خلاف حتى داخل المؤسسات الإسبانية نفسها.

26 غشت.. تناقضات داخلية بدل دليل على مسؤولية المغرب

في 26 غشت، واصلت الصحافة الإسبانية إبراز الخلافات داخل الحكومة حول دور الاستخبارات وطبيعة التحذيرات السابقة للأزمة، بما في ذلك التباين بين روايتي وزارتي الدفاع والداخلية بشأن ما إذا كانت أجهزة الاستخبارات قد قدمت تحذيرا مسبقا بشأن حجم الدخول المحتمل. وإذا كانت المؤسسات الإسبانية نفسها لم تحسم بصورة متماسكة طبيعة المعلومات التي كانت بحوزتها قبل الأزمة، فإن الانتقال من ذلك إلى اتهام المغرب بالتخطيط أو التحريض يحتاج، من باب أولى، إلى أدلة مستقلة وواضحة.

27 غشت.. الموقف الإسباني الرسمي يضع حدا للاتهام غير المثبت

جاء 27 غشت بمعطى بالغ الأهمية، عندما أكد وزير الرئاسة الإسباني “فيليكس بولانيوس” أمام لجنة الأمن القومي في البرلمان أنه لا توجد أدلة على أن المغرب قاد أو حرض على الدخول الجماعي الذي وقع في 30 يوليوز، داعيا إلى عدم توجيه “إيحاءات وهجمات” ضد المغرب من دون أدلة، ومشددا على أهمية حسن الجوار والتعاون بين البلدين.

وهنا يصبح السؤال مشروعا: إذا كانت الحكومة الإسبانية نفسها تقول، في 27 غشت، إنه لا توجد أدلة تثبت أن الرباط قادت أو دفعت إلى العملية، فبأي أساس جرى خلال الأسابيع السابقة تقديم المغرب في بعض الخطابات الإعلامية والسياسية باعتباره الطرف الذي يقف وراء “الغزو” أو “الاجتياح؟؟؟

الإعلام المغربي يرد.. والدفاع عن السيادة لا يحتاج إلى لغة الإساءة

الموقف المغربي من أراضيه الواقعة تحت السيطرة الأجنبية واضح ومعروف، ولا يرتبط بأحداث يوليوز وغشت 2026. فالمغرب يعتبر سبتة ومليلية، إلى جانب باقي الثغور والجزر المغربية الواقعة تحت السيطرة الإسبانية، جزءا من ترابه الوطني، ويؤكد حقه التاريخي والسياسي فيها، ويتمسك باسترجاعها في إطار قضيته الوطنية، وهو موقف ثابت في الذاكرة الوطنية والسياسة المغربية.

وفي المقابل، تتمسك إسبانيا بموقف مغاير بشأن وضع المدينتين، وهو موقف ترفضه الرباط ولا تقر بأن وضعهما الحالي يحسم مسألة السيادة المغربية عليهما. وهذا الخلاف قائم، ولا ينبغي إخفاؤه أو تجاوزه، لكنه لا يبرر تحويل كل أزمة حدودية إلى مواجهة سياسية مفتوحة أو تقديم اتهامات غير مثبتة ضد المغرب.

كما أن الرد المغربي لا يحتاج إلى إنكار وجود أزمة حقيقية في سبتة أو التقليل من معاناة السكان أو من خطورة تدفقات الهجرة. بل على العكس، إن الاعتراف بالوقائع الإنسانية والأمنية هو ما يجعل النقاش أكثر جدية.

لكن تحمل المغرب مسؤولية حماية حدوده ومنع محاولات العبور لا يعني تحمله تلقائياً مسؤولية كل شخص يحاول الوصول إلى سبتة، ولا يثبت أنه خطط أو حرض على تلك المحاولات.

الإعلام الإسباني مطالب بالتمييز بين النقد والاتهام

إن النقد الصحفي مشروع، والاختلاف السياسي مشروع، والدفاع عن مصالح سكان سبتة مشروع من منظور المؤسسات الإسبانية. لكن اتهام دولة جارة بالتخطيط لـ«غزو» أو استعمال الهجرة كأداة لزعزعة الاستقرار ليس مجرد رأي عابر، بل اتهام سياسي بالغ الخطورة.

ولهذا فإن القاعدة المهنية التي ينبغي أن تحكم هذه التغطيات بسيطة: إذا وُجد الدليل، فليُنشر؛ وإذا لم يوجد، فلتُقدم الفرضية على أنها فرضية، لا على أنها حقيقة.

واللافت أن الأزمة نفسها كشفت في المقابل عن مشاكل داخلية إسبانية في تدبيرها؛ فقد أقرت وزيرة الدفاع بتأخر الحكومة، بينما استمرت الخلافات بين مكونات السلطة حول المعلومات الاستخباراتية والتنسيق المؤسساتي. كما أشارت «إل باييس» في 26 غشت إلى أن مسؤولية المغرب عن أحداث 30 يوليوز لم تُحسم، بالتوازي مع ظهور تناقضات داخل الحكومة الإسبانية بشأن المعلومات الاستخباراتية.

بين الرباط ومدريد.. الخلاف لا يلغي المصالح المشتركة

المغرب وإسبانيا بلدان متجاوران، وبينهما ملفات مشتركة تتجاوز أزمة واحدة، من الهجرة والأمن إلى التجارة والاستثمار ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر.

ومن ثم، فإن مصلحة الطرفين تقتضي أن تظل الخلافات، بما فيها الخلاف حول سبتة ومليلية، في إطار سياسي ودبلوماسي مسؤول، بعيداً عن حملات التشهير أو الاتهامات الجماعية.

الإعلام المغربي لا يطلب من الصحافة الإسبانية التخلي عن مواقفها أو تبني الرواية المغربية، لكنه يرفض أن تتحول التغطية الصحفية إلى منصة لاتهام المغرب من دون دليل، ويؤكد في الوقت نفسه أن الدفاع عن السيادة المغربية على سبتة ومليلية حق مشروع في الخطاب الوطني والإعلامي المغربي. وما يطلبه، ببساطة، هو احترام الحقيقة قبل إطلاق الأحكام.

إن ما حدث في سبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026 كان أزمة كبيرة، وسيتطلب بلا شك تحقيقاً شاملاً لمعرفة أسبابها ومسؤولياتها وشبكاتها ودينامياتها. لكن التحقيق الجاد لا يبدأ من النتيجة، ولا يضع دولة بعينها في قفص الاتهام قبل اكتمال الأدلة.

ومن هنا، فإن الرد المغربي على الخطاب الذي اتخذ من الأزمة مناسبة لمهاجمة المغرب ليس رداً عدائياً، ولا دعوة إلى التصعيد، بل هو تذكير بقاعدة بسيطة: الوقائع أولاً، والأدلة ثانياً، والاتهام بعد ذلك.

أما الأراضي المغربية الواقعة تحت السيطرة الإسبانية، وفي مقدمتها سبتة ومليلية وباقي الثغور والجزر المغربية، فتظل جزءاً من القضية الوطنية وفق الموقف التاريخي والسياسي للمملكة، وسيظل المغرب متمسكاً بحقه فيها وباسترجاعها بالوسائل السياسية والدبلوماسية. والدفاع عن هذه السيادة لا يتعارض مع احترام الشعب الإسباني أو مع الحفاظ على علاقات حسن الجوار، كما أن الخلاف حول وضع هذه الأراضي لا يبرر تحويل كل أزمة إنسانية أو حدودية إلى حملة اتهامات ضد المغرب.

وفي زمن تتسارع فيه الأخبار وتنتشر فيه العناوين قبل اكتمال التحقيقات، ربما يكون أفضل ما يمكن أن تقدمه الصحافة للقراء هو أن تقول بوضوح: ما ثبتَ هو واقعة الدخول الجماعي؛ أما مسؤولية المغرب عن تنظيمه أو تحريضه، فقد قالت الحكومة الإسبانية نفسها في 27 غشت إنها لا تملك دليلاً عليها.

وهذه ليست رواية مغربية في مواجهة رواية إسبانية؛ إنها، قبل كل شيء، دعوة إلى أن تكون الحقيقة أقوى من الاتهام، وأن يبقى حسن الجوار أقوى من لغة التصعيد.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث