مع الاقتراب الفعلي من الاستحقاقات الانتخابية، تطفو على سطح المشهد السياسي المغربي ظاهرة يمكن وصفها بـ«المزايدات الميزانياتية»، حيث تتحول الأرقام الرسمية والبيانات المالية من أدوات لتقييم الأداء والمحاسبة إلى شعارات تُوظَّف للتأثير في الرأي العام والاستمالة الانتخابية.
ويطرح هذا الوضع سؤالاً جوهرياً حول جدوى ومصداقية بعض الخرجات الإعلامية التي يقودها مسؤولون عن القطاع المالي والميزانياتي خلال التجمعات الحزبية واللقاءات الجماهيرية: كيف يمكن لمن كان جزءاً من منظومة التدبير المالي واتخاذ القرار طيلة سنوات الولاية الحكومية أن يخرج اليوم بخطاب نقدي أو مستغرب تجاه حصيلة أرقام وسياسات مالية كان شريكاً أساسياً في إعدادها وتنفيذها؟
وتتجلى الإشكالية أكثر عندما تُستعرض أمام المواطنين أرقام ضخمة ومؤشرات مالية معقدة في سياقات حماسية، من دون تقديم التفسيرات الكافية حول خلفياتها ونتائجها وأثرها المباشر على الحياة اليومية للمواطنين. فالأرقام، مهما كانت كبيرة، لا تكتسب قيمتها السياسية بمجرد عرضها، وإنما بمدى انعكاسها على الواقع الاقتصادي والاجتماعي وعلى مستوى معيشة المواطنين.
فالمواطن المغربي لا يقيس أداء السياسات المالية بحجم الاعتمادات المرصودة أو قيمة النفقات المعلنة فقط، وإنما بما يلمسه في حياته اليومية من أسعار المواد الأساسية، وتكاليف السكن والنقل والتعليم والصحة، وفرص الشغل، والقدرة على مواجهة أعباء المعيشة. ومن هنا تبدو الفجوة واضحة بين خطاب سياسي يحتفي بالأرقام وبين واقع يواجه فيه المواطن ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متزايدة.
كما تفرض المكاشفة المتأخرة نفسها كإحدى أبرز علامات الاستفهام. فإذا كانت هذه الأرقام والسياسات المالية تستحق كل هذا النقاش والنقد، فلماذا لم تكن محل تقييم ومساءلة بالحدة نفسها خلال سنوات الولاية الحكومية؟ ولماذا تظهر بعض القراءات النقدية بقوة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وكأن موسم الانتخابات هو الذي يوقظ فجأة شهية التدقيق في الحصيلة المالية؟
إن تدبير المالية العمومية ليس مجالاً للمزايدات الحزبية أو للتوظيف الانتخابي، بل هو مسؤولية مؤسساتية تقتضي أعلى درجات الشفافية والدقة وربط المسؤولية بالمحاسبة. ومن حق المواطن أن يعرف ليس فقط كم أُنفق، وإنما أين أُنفق، ولماذا أُنفق، وما النتائج التي تحققت، ومن يتحمل مسؤولية القرارات المتخذة.
ولذلك، فإن «دوخة الأرقام» لا يمكن أن تحجب الأسئلة الحقيقية التي يطرحها الواقع. فالمطلوب ليس إغراق المواطنين في مؤشرات مالية وأرقام ضخمة يصعب فهمها، وإنما تقديم حصيلة واضحة وقابلة للقياس، تربط الإنفاق العمومي بالنتائج والأثر الاجتماعي والاقتصادي.
ومع اقتراب الانتخابات، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق الدعاية السياسية وتبادل الاتهامات إلى نقاش مسؤول حول السياسات العمومية ونجاعتها. فالمواطن لم يعد في حاجة إلى أرقام تُستعمل لتجميل الحصيلة أو لتبريرها، بقدر حاجته إلى إجابات واضحة حول ما تحقق فعلاً، وما لم يتحقق، ومن يتحمل مسؤولية الاختيارات والقرارات.
وفي النهاية، فإن الوعي السياسي للمجتمع أصبح أكثر قدرة على التمييز بين التقييم الموضوعي والخطاب الانتخابي. فالأرقام لا تخيف المواطن ولا تقنعه بمجرد ضخامة حجمها؛ ما يقنعه هو أثرها على أرض الواقع. أما المسؤولية المالية، فلا ينبغي أن تتغير لغتها بتغير المواسم الانتخابية، لأن المال العام ملك للمواطنين، ومساءلة من يدبره ليست حملة انتخابية، بل حق دستوري ومؤسساتي دائم.


Comments
0