في تطور أثار اهتماماً داخل الأوساط السياسية والمجتمعية الهولندية، تتجه قضية الشرطية محاسن رحموني (Mahasin Rahmouni)، العاملة في مدينة أمستردام، إلى مسار قانوني، بعد إعلانها تقديم بلاغ ضد النائبة البرلمانية عن حزب الحرية PVV، مارولين فابر، على خلفية تصريحات أدلت بها خلال نقاش برلماني حول الشرطة وحيادها.
القضية لا تتعلق فقط بخلاف بين شرطية وسياسية، وإنما تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول حدود النقد السياسي، وحرمة السمعة المهنية، وحياد موظفي الدولة، ومكانة المواطنين الهولنديين من أصول مهاجرة داخل مؤسسات الدولة.

محاسن رحموني.. من شرطة الحي إلى واجهة نقاش وطني
محاسن رحموني هي شرطية من أصول مغربية تعمل كـ شرطية حي (wijkagent) ضمن فريق الشرطة الأساسي Oost Zeeburg التابع لشرطة أمستردام، وتغطي مسؤولياتها مناطق Haveneiland Oost وRietlandeiland Oost وCentrumeiland في منطقة IJburg، إلى جانب عدد من المواقع المحيطة بها.
وتوضح المعطيات المهنية المنشورة عنها أن عملها لا يقتصر على الدور الأمني التقليدي، بل يجعلها حلقة وصل مباشرة بين السكان وجهاز الشرطة، ونقطة اتصال أولى للسكان في القضايا المرتبطة بالنظام العام والجريمة داخل الحي.
كما تقوم بالتواصل مع البلدية، ومنظمات الرعاية الاجتماعية، وأصحاب المتاجر، ومنظمات الأحياء والسكان، في إطار فلسفة العمل الشرطي المجتمعي التي تقوم على أن الأمن مسؤولية مشتركة بين الشرطة والسكان ومختلف المؤسسات المحلية.

تصريحات فابر تشعل الجدل
وخلال نقاش برلماني حول جهاز الشرطة، تطرقت مارولين فابر إلى منشورات ومواقف نُسبت إلى الشرطية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأثارت تساؤلات مرتبطة بالحياد والولاء.
هذه التصريحات لم تمر مرور الكرام، إذ اعتبرت رحموني أن ما قيل بحقها يتجاوز حدود النقد السياسي المشروع، وقررت اللجوء إلى المسار القانوني وتقديم بلاغ بشبهة التشهير والافتراء.
وهنا تبرز نقطة أساسية: البلاغ هو إجراء قانوني، وليس حكماً قضائياً، وبالتالي فإن تحديد ما إذا كانت التصريحات تشكل جريمة أم لا يبقى من اختصاص الجهات القضائية المختصة.
كفاءة مهنية وحضور مجتمعي
وتحظى محاسن رحموني، بحسب المعطيات المتداولة عنها، بحضور مهني لافت وشبكة واسعة من العلاقات والتواصل داخل هولندا وخارجها، كما ترتبط بعلاقات مع شرائح مختلفة من المجتمع، بما فيها أفراد ومكونات من الجالية المغربية.
ويكتسب حضورها أهمية خاصة باعتبارها امرأة من أصول مغربية تعمل داخل مؤسسة أمنية هولندية، وتمارس يومياً دوراً مباشراً في خدمة السكان وتعزيز الأمن في الأحياء التي تدخل ضمن نطاق مسؤوليتها.
ومن هذه الزاوية، أصبحت القضية محل اهتمام لدى عدد من أفراد الجالية المغربية في هولندا، الذين يتابعون التطورات باعتبار أن الأمر يتعلق بشخصية من أصول مغربية تشغل موقعاً مهنياً داخل إحدى مؤسسات الدولة الهولندية.
أين تنتهي حرية التعبير وأين تبدأ المسؤولية؟
القضية تطرح سؤالاً حساساً في الديمقراطية الهولندية: إلى أي حد يمكن للسياسي أن ينتقد موظفاً عاماً، ومتى يمكن أن يتحول النقد السياسي إلى مساس بالسمعة الشخصية والمهنية؟
فالانتقاد السياسي وطرح الأسئلة حول أداء الشرطة حق مشروع في النظام الديمقراطي، لكن في المقابل فإن موظفي الدولة، ومن بينهم أفراد الشرطة، لهم أيضاً الحق في حماية سمعتهم ونزاهتهم المهنية من الاتهامات التي قد يرون أنها تجاوزت حدود النقد.
وهذا ما يجعل المسار القانوني المرتقب مهماً، ليس فقط بالنسبة إلى محاسن رحموني أو مارولين فابر، وإنما بالنسبة إلى النقاش الهولندي الأوسع حول الثقة في المؤسسات، وحياد الشرطة، وحرية التعبير، والمسؤولية السياسية والإعلامية.
قضية تتجاوز شخصين
وفي الوقت الذي تنتظر فيه الأوساط المهتمة ما ستسفر عنه الإجراءات القانونية، تبدو هذه القضية مرشحة لأن تتحول إلى نقاش أوسع حول صورة المواطنين من أصول مهاجرة داخل مؤسسات الدولة الهولندية، وحول الاعتراف بكفاءتهم المهنية بعيداً عن أصولهم أو خلفياتهم الثقافية.
فمحاسن رحموني لا تظهر في هذه القضية فقط باعتبارها شرطية من أصول مغربية، بل باعتبارها موظفة أمنية تعمل في الميدان، وتتواصل مع السكان، وتتحمل مسؤولية أمن منطقة محددة من أمستردام.
ويبقى الحكم النهائي في هذه القضية للجهات المختصة، فيما تستمر الأسئلة السياسية والمجتمعية التي أثارتها التصريحات في الانتقال من أروقة البرلمان إلى الفضاء العام والقانوني.


Comments
0