بقلم : محمد الغياط باحث في الاعلام
لقد أعادت الانتخابات التشريعية المغربية ليوم 23 شتنبر 2026 هذه الإشكالية إلى الواجهة، بعدما أعلنت وزارة الداخلية أن نسبة المشاركة الوطنية بلغت 38.02 في المائة، مقابل نحو 50 في المائة سنة 2021، وفق المعطيات المنشورة عن الاستحقاقين.
ولا يتعلق الأمر بمجرد انخفاض رقمي في نسبة المشاركة، بل بمؤشر يستحق قراءة سياسية واجتماعية معمقة، خصوصًا حين نربطه بحجم الهيئة الناخبة، والفارق بين عدد البالغين وعدد المسجلين، وضعف حضور الشباب في اللوائح الانتخابية، وما تكشفه استطلاعات الرأي من تباعد بين المواطنين وبعض المؤسسات والأحزاب السياسية.
من هنا نستحضر المقولة التي جاءت في عنوان المقال :
«إذا لم تمارس السياسة، سوف تمارس عليك» معناها بوصفها مدخلًا لفهم العلاقة بين المواطن والسلطة والقرار العمومي.
فهل يعني العزوف أن المواطن المغربي لم يعد مهتما بالسياسة؟
أم أنه أصبح غير مقتنع بجدوى الوسائط الحزبية والانتخابية؟ وهل نحن أمام أزمة مشاركة فحسب، أم أمام أزمة ثقة وتمثيل وشعور بالقدرة على التأثير؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي تجاوز الأحكام الجاهزة، والانتقال من وصف الظاهرة إلى تحليل أسبابها الاجتماعية والسياسية والمؤسساتية.
أولًا: ماذا تقول الأرقام؟
المفارقة بين البالغين والمسجلين والمصوتين
أعلنت المعطيات الرسمية المنشورة على البوابة الوطنية للمغرب أن عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة، بعد المراجعة الاستثنائية لسنة 2026، بلغ 15,801,162 ناخبًا وناخبة. كما أعلنت وزارة الداخلية أن نسبة المشاركة في انتخابات 23 شتنبر بلغت 38.02 في المائة على المستوى الوطني.
وتسمح هذه المعطيات بحساب تقريبي يوضح حجم الظاهرة:
عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية: 15.8 مليون تقريبًا.
نسبة المشاركة المعلنة: 38.02 في المائة.
عدد المشاركين التقديري: نحو 6 ملايين ناخب.
عدد المسجلين الذين لم يشاركوا: نحو 9.8 ملايين ناخب.
وتشيربعض المعطيات المنشورة بشأن الانتخابات، إلى أن عدد المغاربة الذين بلغوا سن التصويت يناهز 27 مليونًا، في حين لا يتجاوز عدد المسجلين 15.8 مليونًا. وإذا اعتمدنا هذين الرقمين التقريبيين، فإن الفارق بينهما يبلغ نحو 11.2 مليون شخص لم يكونوا ضمن المسجلين في اللوائح الانتخابية.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاث فئات مختلفة: البالغين الذين يستوفون السن القانونية للتصويت، والمسجلين في اللوائح الانتخابية، والمشاركين فعليًا في الاقتراع. فالخلط بينها قد يؤدي إلى قراءة غير دقيقة لحجم المشاركة السياسية.
لا ينبغي أن يقتصر الحوار على نسبة المشاركة بين المسجلين، بل يجب أن يمتد إلى السؤال عن أسباب عدم التسجيل أصلًا، ثم أسباب عدم التصويت لدى المسجلين.
فإذا كان نحو ستة ملايين ناخب قد شاركوا، مقابل ملايين المسجلين وغير المسجلين الذين لم يشاركوا، فإن التحدي الديمقراطي لا يختزل في توزيع المقاعد بين الأحزاب، بل يشمل مدى قدرة النظام السياسي على توسيع قاعدة المشاركة وتعزيز الشعور بجدواها.
ومع ذلك، لا يجوز اعتبار كل من لم يصوت رافضًا للأحزاب، ولا اعتبار كل غير مسجل مقاطعًا بإرادته؛ فقد تتداخل عوامل إدارية واجتماعية ومعلوماتية وسياسية، ولا يمكن تحديد وزن كل عامل بدقة دون أبحاث ميدانية مخصصة.
ثانيًا: الشباب المغربي، حضور اجتماعي قوي وتمثيل انتخابي محدود
تكتسب مسألة الشباب أهمية خاصة في تحليل المشاركة الانتخابية. فبحسب الإحصائيات المنشورة على البوابة الوطنية للمغرب، لم تتجاوز نسبة المسجلين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة أربعة في المائة من مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية لسنة 2026، مقابل 29 في المائة للأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق.
وهذه الأرقام تخص توزيع المسجلين بحسب العمر، ولا تعني أن الشباب يمثلون أربعة في المائة فقط من السكان، ولا أنها تحدد نسبة مشاركتهم الفعلية في التصويت. لكنها تطرح سؤالًا واضحًا بشأن تمثيل الفئات العمرية داخل الهيئة الناخبة.
لماذا لا يتحول الوزن الديمغرافي والاجتماعي للشباب إلى حضور مماثل في اللوائح الانتخابية؟ ولماذا يمكن أن يكون الشباب حاضرًا بقوة في النقاشات الرقمية، وفي التعبير عن القضايا الاجتماعية، بينما يظل حضوره محدودًا داخل القنوات الحزبية والمؤسساتية التقليدية؟
قد نجد جزءًا من الجواب في الفارق بين الاهتمام بالشأن العام والثقة في المؤسسات. فالشاب الذي يناقش البطالة أو غلاء المعيشة أو جودة التعليم أو تكافؤ الفرص لا يمكن وصفه تلقائيًا بأنه غير مهتم بالسياسة. فقد يكون شديد الاهتمام بالقضايا العامة، لكنه لا يرى في الانخراط الحزبي أو التصويت الوسيلة الأكثر فعالية للتعبير عن مطالبه.
وهذا ما يجعلنا أمام احتمال وجود مشاركة سياسية خارج القنوات الانتخابية، مقابل ضعف المشاركة داخلها. فالتعبير عن الرأي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمشاركة في المبادرات المدنية، ومناقشة السياسات العمومية، والاحتجاج السلمي، كلها أشكال من الاهتمام بالشأن العام، وإن اختلفت عن التصويت.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في قدرة الأحزاب على مخاطبة الشباب بلغة جديدة أو عبر المنصات الرقمية؛ بل في قدرتها على تحويل هذا التواصل إلى مشاركة فعلية في صياغة البرامج، واختيار المرشحين، ومراقبة الأداء السياسي.
إن الشباب لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه خلال الحملة الانتخابية بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات تتيح له التعبير عن أولوياته والمشاركة في تحديدها. ولا يكفي أن تكون قضاياه موضوعًا للوعود؛ بل ينبغي أن يصبح طرفًا في تقييم تلك الوعود ومحاسبة أصحابها.
ثالثًا: أزمة الثقة أم أزمة تمثيل؟
تساعد استطلاعات الرأي على تجاوز الانطباعات الشخصية، شريطة الانتباه إلى تاريخها ومنهجيتها والفئات التي شملتها.
إن دلالة المؤشرات تكمن في أن الثقة السياسية لا تتكون من الخطاب وحده، بل تتأثر بتجربة المواطن مع المؤسسات، وبمدى شعوره بأن صوته مسموع، وبقدرته على ربط الاختيارات السياسية بالنتائج التي يلمسها في حياته اليومية.
فحين يشعر المواطن بأن المسافة بين وعود المرشحين وواقعه الاجتماعي واسعة، قد تتراجع ثقته بجدوى المشاركة. وحين لا يجد اختلافًا واضحًا بين البرامج أو لا يقتنع بقدرة المنتخبين على تنفيذها، قد يتجه إلى عدم التصويت أو إلى البحث عن أشكال أخرى للتعبير.
لكن هذه العلاقة ليست آلية؛ فهناك من يشارك رغم ضعف الثقة رغبة في تغيير الواقع، وهناك من يمتنع لأسباب لا تتصل بالسياسة أصلًا. ولهذا فإن تحليل العزوف يتطلب الجمع بين الإحصاءات الرسمية واستطلاعات الرأي والمقابلات الميدانية.
رابعًا: مقاربة سوسيولوجية — حين تتسع المسافة بين المواطن والمؤسسة
من منظور علم الاجتماع السياسي، لا يمكن تفسير العزوف الانتخابي بوصفه مجرد قرار فردي منفصل عن المحيط الاجتماعي. فالسلوك الانتخابي يتأثر بالتنشئة السياسية، والتجارب السابقة، وشبكات العلاقات الاجتماعية، والشعور بالانتماء، ومدى الثقة في المؤسسات، والإحساس بالقدرة على التأثير.
ويمكن تناول الظاهرة من خلال ثلاث مقاربات متكاملة.
- المقاربة الأولى: أزمة الثقة والتمثيل
حين لا يشعر المواطن بأن المؤسسات الحزبية تنقل مطالبه أو تستجيب لأولوياته، قد تتراجع رغبته في المشاركة. وهنا يصبح العزوف تعبيرًا محتملًا عن ضعف العلاقة التمثيلية بين الناخب والمنتخب، وليس بالضرورة رفضًا لمبدأ الديمقراطية نفسه.
وقد يظل المواطن مؤمنًا بأهمية المؤسسات المنتخبة، لكنه يشك في قدرة بعض الفاعلين على تمثيله. وهذا فرق جوهري بين رفض الديمقراطية والاعتراض على أداء الوسطاء السياسيين. - المقاربة الثانية: الإحساس بانعدام الفعالية السياسية
يقصد بالإحساس بالفعالية السياسية اعتقاد المواطن بأن مشاركته يمكن أن تُحدث فرقًا، سواء عبر التأثير في القرارات أو عبر اختيار ممثلين يخضعون للمساءلة.
فإذا اعتقد المواطن أن صوته لن يغير شيئًا، أو أن القرارات الأساسية لا تتأثر بما يختاره الناخبون إلا في نطاق محدود، فقد تتراجع دوافعه للمشاركة.
وفي الحالة المغربية، يكتسب هذا السؤال أهمية إضافية بسبب طبيعة النظام الدستوري وتوزيع الاختصاصات بين المؤسسات. فالفصل 47 من الدستور ينظم تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، بينما يحدد الدستور أيضًا اختصاصات الملك والحكومة والبرلمان كلٌّ في مجاله.
وهذا يعني أن الانتخابات البرلمانية تؤثر في تشكيل الحكومة والعمل التشريعي والرقابي، لكنها لا تعني أن جميع مراكز القرار السياسي تتحدد بنتائج الاقتراع وحدها. وقد تؤثر هذه الصورة المعقدة في تصورات بعض المواطنين عن مدى تأثير التصويت، وهي فرضية تحتاج إلى اختبار ميداني بدل افتراضها سببًا ثابتًا لدى الجميع. - المقاربة الثالثة: اللامساواة الاجتماعية والمجالية
لا يتخذ العزوف شكلًا واحدًا في جميع الفئات والمناطق. فظروف العمل والتنقل، ومستوى التعليم، والولوج إلى المعلومات، والروابط المحلية، والتجارب السابقة مع المنتخبين، قد تؤثر في قرار التسجيل والتصويت.
كما أن التفاوت في فرص الشغل والخدمات بين المناطق يمكن أن يؤثر في شعور المواطنين بمدى إنصاف السياسات العمومية. وإذا لم يرَ المواطن انعكاسًا ملموسًا للبرامج على محيطه، فقد تتراجع ثقته في جدوى المشاركة.
لكن لا ينبغي اختزال العزوف في الفقر أو البطالة؛ فالمشاركة الانتخابية تتأثر بعوامل متعددة، وقد تختلف حتى بين أشخاص يعيشون الظروف الاقتصادية نفسها. ولذلك فإن التفسير الاجتماعي الجاد يحتاج إلى بيانات مفصلة بحسب العمر والجنس والتعليم والمجال الجغرافي والوضع المهني.
خامسًا: مسؤولية الأحزاب السياسية .
لا يمكن مطالبة المواطنين بالمشاركة من دون مساءلة الأحزاب عن طبيعة العرض السياسي الذي تقدمه.
فالأحزاب ليست مجرد آلات انتخابية، بل مؤسسات يفترض أن تؤدي وظائف التأطير والتكوين والوساطة وصياغة البدائل وتكوين النخب. وإذا تراجعت هذه الوظائف، فقد تتحول العلاقة بين الحزب والمواطن إلى علاقة موسمية لا تظهر إلا أثناء الحملات الانتخابية.
وتبدأ المسؤولية الحزبية من وضوح البرامج وقابليتها للتقييم. فالمواطن لا يحتاج إلى قائمة طويلة من الوعود العامة، وإنما إلى أهداف محددة، وآجال معقولة، وتوضيح للموارد اللازمة، وآليات للمحاسبة.
وتتصل المسؤولية أيضًا بالديمقراطية الداخلية. فتجديد النخب لا يعني إقصاء ذوي الخبرة، بل إتاحة الفرصة أمام كفاءات جديدة، وتوسيع المشاركة في اختيار المرشحين والقيادات، وتوفير مسارات فعلية للشباب والنساء للمساهمة في القرار.
كما ينبغي أن تستمر العلاقة مع المواطنين بعد الانتخابات. فالحزب الذي يطلب الأصوات مطالب بأن يفسر مواقفه داخل البرلمان، وأن يقدم حصيلته، وأن يستمع إلى الانتقادات، سواء كان في الحكومة أم في المعارضة.
ولا يجوز تحميل الأحزاب وحدها كل أسباب العزوف؛ فهناك عوامل اقتصادية ومؤسساتية وقانونية واجتماعية تتجاوز نطاقها المباشر. لكن ذلك لا يعفيها من مسؤولية مراجعة ممارساتها، وتطوير أساليب التأطير، وتحسين مصداقية برامجها.
إن استعادة الثقة لا تتحقق بحملة تواصلية ناجحة فقط، بل تتطلب تغييرًا يمكن للمواطن ملاحظته وتقييمه.
سادسًا: مسؤولية المؤسسات عن المشاركة :
تقع على المؤسسات العمومية مسؤولية ضمان شروط المشاركة الحرة والشفافة، وتيسير الوصول إلى المعلومات الانتخابية، وتوضيح إجراءات التسجيل والتصويت، وضمان تكافؤ الفرص واحترام القانون.
لكن المسؤولية لا تنتهي عند تنظيم الاقتراع. فتعزيز المشاركة يقتضي أيضًا تطوير آليات التواصل بين المؤسسات والمواطنين، وتيسير متابعة العمل البرلماني، ونشر المعطيات المتعلقة بتنفيذ السياسات العمومية، وتمكين المواطنين من فهم كيفية اتخاذ القرارات وتحديد المسؤوليات.
وتؤدي التربية على المواطنة دورًا مهمًا في هذا المجال. فالمعرفة السياسية لا ينبغي أن تبدأ مع الحملة الانتخابية، بل تتشكل عبر المدرسة والجامعة والإعلام والجمعيات والنقاشات العامة.
كما أن الإعلام مطالب بالانتقال من مجرد نقل تصريحات المرشحين إلى مساءلة البرامج، ومقارنة الالتزامات بالنتائج، وتفسير أثر السياسات على الفئات الاجتماعية المختلفة.
إن المؤسسة التي تطلب من المواطن أن يثق بها مطالبة بأن تجعل عملها مفهومًا وقابلًا للمراقبة. فالثقة لا تُفرض، بل تُبنى بالتواصل والشفافية والمحاسبة.
سابعًا: مسؤولية المواطن :
إذا كانت الأحزاب والمؤسسات مطالبة بمراجعة أدائها، فإن المواطن بدوره مدعو إلى التفكير في نتائج الابتعاد عن المشاركة.
فالمقاطعة قد تحمل في بعض الحالات معنى احتجاجيًا مقصودًا، وقد تعبر عن رفض عرض سياسي معين. لكنها قد تنتج أيضًا، من حيث الأثر العملي، وضعًا تستمر فيه المؤسسات في العمل وفق القواعد القانونية نفسها، بينما يقل عدد المواطنين المشاركين في اختيار ممثليهم.
ولا يعني ذلك أن كل امتناع خطأ، أو أن التصويت واجب أخلاقي يبيح توبيخ غير المصوتين. بل يعني أن على المواطن أن يميز بين التعبير عن الرفض وبين القدرة على إحداث تغيير.
فمن حق المواطن أن ينتقد الأحزاب، وأن يرفض الوعود غير المقنعة، وأن يطالب ببدائل حقيقية. لكن من المفيد أيضًا أن يسأل نفسه: ما الوسيلة التي أستطيع من خلالها تحويل اعتراضي إلى أثر ملموس؟ هل أتابع عمل المنتخبين؟ هل أقارن البرامج؟ هل أشارك في النقاش العمومي؟ هل أستخدم آليات العمل المدني والمساءلة المتاحة؟
إن المشاركة السياسية أوسع من التصويت، لكنها لا تفقد التصويت أهميته بوصفه إحدى الوسائل التي يختار بها المواطنون ممثليهم.
والمطلوب ليس أن يثق المواطن ثقة عمياء في أي حزب، وإنما أن يحتفظ بقدرته على الاختيار المستقل، والمراقبة، والمحاسبة، والتعبير عن مواقفه بوسائل ديمقراطية وسلمية.
ثامنًا: ماذا تعني نسبة 38.02 في المائة للديمقراطية المغربية؟
من الناحية القانونية، لا تؤدي نسبة المشاركة المنخفضة وحدها إلى إبطال الانتخابات أو إسقاط شرعية المؤسسات المنتخبة. فالنتائج تحدد وفق القواعد الدستورية والقانونية المنظمة للاقتراع.
لكن الشرعية القانونية ليست السؤال الوحيد الذي يستحق النقاش؛ فهناك أيضًا مسألة اتساع قاعدة المشاركة، ومدى تمثيل المؤسسات لتنوع المجتمع، وقدرة المنتخبين على إقناع المواطنين بجدوى العمل السياسي.
إن مشاركة 38.02 في المائة من المسجلين تعني أن أكثر من ستة من كل عشرة مسجلين لم يدلوا بأصواتهم. وهي حقيقة إحصائية لا تكفي وحدها لتفسير دوافعهم، لكنها تضع أمام الأحزاب والمؤسسات تحديًا سياسيًا واضحًا.
والتحدي لا يتمثل في رفع النسبة رقميًا فحسب، بل في جعل المشاركة أكثر وعيًا وارتباطًا بالبرامج والمحاسبة. فقد ترتفع المشاركة لأسباب ظرفية دون أن تتحسن الثقة السياسية بالضرورة، كما قد يشارك المواطن بدافع الاحتجاج أو الرغبة في معاقبة حزب معين، وليس فقط تأييدًا لبرنامج آخر.
لهذا ينبغي ألا يُختزل نجاح العملية الديمقراطية في عدد المشاركين أو عدد المقاعد، بل ينبغي أن يشمل جودة النقاش العمومي، وشفافية المنافسة، ووضوح البرامج، وقدرة المؤسسات على الاستجابة للمطالب، ووجود آليات فعالة لمحاسبة المسؤولين.
كما ينبغي ألا تُفسر النسبة الوطنية بمعزل عن الفوارق بين الدوائر والمناطق والفئات الاجتماعية. فالبحث في أسباب المشاركة أو العزوف يحتاج إلى بيانات تفصيلية ودراسات ميدانية، لا إلى استنتاج واحد ينطبق على المجتمع كله.
خاتمة: إذا لم تمارس السياسة، فسوف تمارس عليك
إن المقولة التي اخترناها عنوانًا لهذا المقال ليست دعوة إلى الانخراط الحزبي الإجباري، ولا مطالبة للمواطنين بمنح ثقتهم لأي جهة سياسية دون مساءلة. إنها دعوة إلى فهم حقيقة أساسية: القرارات العامة لا تتوقف عندما يبتعد المواطن عن السياسة، والبرامج والقوانين والميزانيات تستمر في التأثير في حياته، سواء شارك في صنعها أم اكتفى بمتابعة نتائجها.
ومن هنا، فإن العزوف الانتخابي في المغرب ينبغي أن يُقرأ باعتباره ظاهرة متعددة الأسباب، تتداخل فيها الثقة والتمثيل والفعالية السياسية والتفاوتات الاجتماعية والتنشئة السياسية وطبيعة العرض الحزبي.
ولا يكفي أن نطالب المواطن بالتصويت؛ بل ينبغي أن نسأله لماذا ابتعد، وأن نستمع إلى جوابه، وأن نختبر الأسباب بالبحث الميداني. كما لا يكفي أن تنتقد الأحزاب العزوف؛ بل عليها أن تراجع علاقتها بالمجتمع، وأن تقدم برامج قابلة للتقييم، وأن تفتح مؤسساتها أمام مشاركة حقيقية للشباب.
أما المؤسسات، فعليها أن تضمن شروط المنافسة الديمقراطية، وأن تجعل القرارات مفهومة، وأن توسع فرص المشاركة والمساءلة. والمواطن بدوره مدعو إلى ألا يحصر السياسة في يوم الاقتراع، وألا يخلط بين رفض حزب معين ورفض كل أشكال المشاركة في الشأن العام.
إن الرسالة إلى الشباب المغربي واضحة: لا تسمحوا بأن تتحول خيبة الأمل إلى انقطاع دائم عن المجال العام. فمن حقكم مساءلة الأحزاب، وانتقاد السياسات، والمطالبة بفرص أفضل، ومن حقكم كذلك أن تكونوا شركاء في صياغة البدائل ومراقبة تنفيذها.
والرسالة إلى الأحزاب والمؤسسات واضحة أيضًا: لا تطلبوا من المواطنين الثقة قبل أن تمنحوهم أسبابها، ولا تستحضروا الشباب بوصفهم أرقامًا انتخابية فقط، بل بوصفهم مواطنين لهم الحق في المشاركة في القرار.
إذا لم تمارس السياسة، سوف تمارس عليك؛ لكن ممارسة السياسة لا تعني أن تسلّم قرارك للآخرين، بل أن تحافظ على حقك في الاختيار والمساءلة والتأثير.
الرباط.. المغرب .10\ 9\2026


Comments
0