القادم أسوأ… حين يتحول المواطن من صاحب حق إلى متهم دائم | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

القادم أسوأ… حين يتحول المواطن من صاحب حق إلى متهم دائم

مع الحدث ma3alhadet

في نسخته النظرية، يبدو العقد الاجتماعي مفهوما جميلًا ومحترمًا: المواطن يلتزم بالقانون، يدفع الضرائب، يحترم المؤسسات، وفي المقابل تتكفل الدولة بالأمن والتعليم والصحة والقضاء والبنية التحتية، وتحمي الحقوق والكرامة.

بمعنى بسيط: المواطن يؤدي ما عليه، والدولة تؤدي ما عليها.

لكن لا يوجد في هذا العقد بند صغير في آخر الصفحة يقول إن على المواطن، إضافة إلى الضرائب، أن يصفق للمسؤول كلما أنجز جزءًا من مهامه، أو أن يعتبر كل خدمة عمومية منحة شخصية من السلطة.

فالدولة، عندما تؤدي واجبها، لا تمنح المواطن صدقة؛ إنها تقوم بوظيفتها.

ومع ذلك، يبدو أن بعض الخطابات السياسية طورت معادلة مختلفة: ادفع، اصمت، ثم اشكرنا لأننا لم نطلب منك المزيد.

وهنا تبدأ الكوميديا السوداء.

فالمواطن قد يجد نفسه أمام واقع تصبح فيه الخدمة حقًا على الورق، لكنها تتحول في الممارسة إلى «فضل» ينبغي الامتنان عليه. يدفع الضرائب، ينتظر في المستشفى، ينتظر الإدارة، ينتظر الوثيقة، وينتظر العدالة… ثم إذا سأل عن حقه، قيل له إنه متوتر، وإذا انتقد مسؤولًا اتُّهم بأنه لا يحب وطنه.

وإذا تحدث عن ضعف المدرسة، قيل إن المشكلة في المجتمع. وإذا انتقد الفوضى، قيل إن «الشعب ماشي مربي». وإذا تحدث عن فقدان الثقة، أصبح المواطن نفسه موضع الاتهام.

وهكذا تصبح الدولة، في هذا الخطاب، بريئة في جميع الأحوال، بينما يتحول المواطن إلى المتهم الدائم.

المواطن الجاهل… الذي لم يولد جاهلًا

من أكثر العبارات تداولًا في الخطاب العام: «المشكلة في الشعب، الشعب جاهل.»

لكن السؤال البسيط هو: من بنى المدارس؟ ومن وضع المناهج؟ ومن حدد ميزانيات التعليم؟ ومن قرر مكانة الثقافة والكتاب والمكتبات في المجتمع؟

الجهل لا يهبط من السماء، والوعي لا ينمو في الفراغ.

إن بناء مواطن واعٍ يحتاج إلى مدرسة جيدة، وجامعة فعالة، وإعلام مسؤول، وثقافة حرة، ومؤسسات تحترم الإنسان، وفضاء يسمح له بالسؤال والنقاش دون أن يتحول السؤال إلى تهمة.

لذلك، فإن تحميل المجتمع وحده مسؤولية ضعف الوعي، من دون مساءلة الظروف والمؤسسات التي ساهمت في إنتاجه، ليس تحليلًا جادًا بقدر ما هو هروب من أصل المشكلة.

فمن يكسر رجل إنسان، ثم يسأله لماذا لا يشارك في سباق الماراثون، لا يكون قد حل المشكلة؛ بل اكتفى بإلقائها على الضحية.

«الشعب ماشي مربي»

العبارة الأخرى التي تتكرر كثيرًا هي أن المجتمع «غير مربي».

لكن التربية المدنية ليست شيئًا يولد به الإنسان، وإنما تُكتسب من الأسرة والمدرسة والمجتمع والمؤسسات، ومن خلال الممارسة اليومية.

كيف يمكن مطالبة المواطن باحترام القانون إذا رأى تطبيقه متفاوتًا؟ وكيف يمكن مطالبته باحترام المؤسسات إذا شعر بأن صوته لا قيمة له؟ وكيف نطلب منه الهدوء وهو يقضي ساعات في طوابير الإدارة أو المستشفى؟

ثم نندهش من توتره ونختصر الأمر في عبارة: «المغربي عصبي.»

ربما ليس عصبيًا بطبيعته؛ ربما هو فقط يعيش تحت ضغط يومي يجعل أبسط الإجراءات مصدرًا للتوتر.

حين يصبح الشعب «قطيعًا»

أما وصف الشعب بـالقطيع، فهو ربما أكثر العبارات راحة لمن يريد إعفاء نفسه من المسؤولية.

فإذا كان الجميع «قطيعًا»، فلا داعي للسؤال: من أغلق أبواب المشاركة؟ ومن جعل السياسة مرتبطة في أذهان كثيرين بموسم الانتخابات؟ ومن جعل المواطن يختصر طموحه أحيانًا في البحث عن وظيفة أو «واسطة» لقضاء مصلحة؟

المواطن الذي يقضي يومه في البحث عن لقمة العيش، ودفع الإيجار، وتدبير فواتير الكهرباء والماء والنقل والعلاج، ليس بالضرورة غير مهتم بالشأن العام.

قد يكون ببساطة مشغولًا بمحاولة تأمين حياته الخاصة.

وهنا تظهر فلسفة «التعيّشت»: أن لا تعيش فعلًا، وإنما تواصل محاولاتك اليومية لتجنب السقوط.

المواطن المتهم دائمًا

في هذه المنظومة، يصبح المواطن كائنًا غريبًا:

إذا دفع الضرائب، فقد أدى واجبه.

إذا طالب بحقوقه، أصبح مصدر إزعاج.

إذا صمت، فهو مواطن صالح.

إذا تكلم، فهو غير مسؤول.

إذا انتقد، فهو سلبي.

إذا احتج، فهو مشاغب.

وإذا هاجر، قيل إنه ناكر للجميل.

أما إذا بقي، فعليه أن يكون ممتنًا.

وعندما يسأل: «أين حقي؟» يأتيه السؤال المقابل: «وماذا قدمت أنت للوطن؟»

لكن السؤال الأكثر أهمية ليس فقط ما قدمه المواطن للوطن، وإنما أيضًا: ماذا قدمت المؤسسات للمواطن مقابل ما يؤديه من ضرائب، وما يمنحه من امتثال للقانون، وما يقدمه من شرعية وثقة؟

الدولة ليست جمعية خيرية

عندما تُبنى مدرسة، لا ينبغي تقديم الأمر وكأنه هبة شخصية.

وعندما يُعبد طريق، أو يصل الماء إلى منطقة، أو يُنجز مستشفى، فإن الأمر يتعلق بخدمات عامة تمولها الميزانية والأموال العمومية.

الدولة لا تدفع من جيب المسؤول.

المستشفى لا يُبنى من راتب الوزير، والطريق لا تُنجز من مدخرات المدير.

هناك ضرائب وميزانيات ومال عام، وهناك مواطن يساهم في تمويل ذلك كله.

لذلك فالعلاقة ليست: «نحن كرماء وأنتم محظوظون.»

بل: «أنتم تؤدون ما عليكم، ونحن ملزمون بتقديم ما عليكم من حق.»

وهذا هو الفارق بين منطق الدولة الحديثة ومنطق المنّة.

حين يقترب رأس المال من القرار

وتزداد المسألة تعقيدًا عندما يتداخل المال مع النفوذ السياسي.

عندها قد يتحول العقد الاجتماعي تدريجيًا إلى علاقات تقوم على المصالح وتبادل النفوذ، بينما يُطلب من المواطن أن يكتفي بدور المتلقي.

وفي المقابل، تظهر عبارات جاهزة لتبرير الوضع:

«المهم الاستقرار.»

«المهم الأمن.»

«لا نريد زعزعة البلد.»

«لا تنتقدوا كثيرًا.»

وهكذا يمكن أن يتحول السؤال عن الفساد إلى تهديد للاستقرار، والسؤال عن العدالة إلى مشكلة، والسؤال عن توزيع الثروة إلى مؤامرة.

وبدل معالجة أصل الاختلال، يصبح المطلوب من المواطن أن يصمت حفاظًا على الصورة العامة.

جلد الضحية

الأخطر من ضعف المؤسسات هو ظهور خطاب يتولى الدفاع عنها بدلًا منها.

«المشكلة في عقلية الشعب.»

«المشكلة في التربية.»

«المشكلة في الأخلاق.»

«المشكلة في المواطن.»

وهكذا ينتقل النقاش من سؤال: لماذا فشلت المؤسسة؟ إلى سؤال: لماذا المواطن سيئ؟

ومن: لماذا لا تتحقق العدالة؟ إلى: لماذا لا يحترم الناس القانون؟

ومن: لماذا يعاني التعليم؟ إلى: لماذا لا يحب المجتمع القراءة؟

إنها عملية تجعل المشكلة تدخل من الباب، ثم يخرج المواطن منها متهمًا.

لا أحد يطلب شعبًا مثاليًا

هذا لا يعني تبرئة المجتمع من مسؤولياته.

هناك العنف، والفساد، والأنانية، والجهل، والفوضى، وسلوكيات تحتاج إلى مراجعة حقيقية.

لكن الفرق بين التحليل الجاد والخطاب الكسول هو أن الأول يسأل: لماذا ظهرت هذه الظواهر؟

أما الثاني فيكتفي بالقول: «لأن الشعب هكذا.»

والحال أن الإنسان لا يعيش داخل مختبر معزول؛ فالفقر والبطالة والتعليم والاقتصاد والثقافة والمؤسسات كلها عوامل تؤثر في سلوكه وفي علاقته بالمجتمع والدولة.

الدولة التي تريد مواطنًا صالحًا

إذا كانت الدولة تريد مواطنًا يحترم القانون، فعليها أن تجعل القانون محترمًا.

وإذا كانت تريد مواطنًا مثقفًا، فعليها أن تستثمر في المدرسة والجامعة والمكتبة والثقافة.

وإذا كانت تريد مواطنًا هادئًا، فعليها أن تجعل حياته أقل تعقيدًا وإذلالًا.

وإذا كانت تريد مواطنًا يثق في القضاء، فعليها أن تضمن له عدالة يلمسها في حياته اليومية.

وإذا كانت تريد مواطنًا يدفع الضرائب، فعليها أن تجعله يعرف أين تُصرف أمواله.

وإذا كانت تريد مواطنًا يحب وطنه، فلا ينبغي أن تجعل حب الوطن مرادفًا للصمت عن الأخطاء.

فالوطن ليس شخصًا، ولا حكومة، ولا حزبًا، ولا مسؤولًا يجلس خلف مكتب.

الوطن هو الناس والأرض والمؤسسات والذاكرة والمستقبل.

ومن يحب وطنه لا يصفق لكل ما تفعله السلطة؛ فأحيانًا يكون أصدق أشكال الوطنية أن تقول لها: أنتِ مخطئة.

أما القادم…

القادم ليس بالضرورة أسوأ لأن الناس سيئون.

قد يصبح أسوأ لأن النظام الذي ينتج المشكلة يرفض الاعتراف بأنها مشكلة.

وهنا تكمن الكارثة: عندما يصبح نقد المؤسسة أخطر من فشلها، والاعتراف بالخطأ عيبًا، والاعتذار ضعفًا، والمواطن مسؤولًا دائمًا عن كل شيء.

وعندما تصبح النخب أكثر انشغالًا بتوبيخ الناس من مساءلة أصحاب القرار، تتحول الدولة تدريجيًا من مؤسسة لخدمة المواطن إلى مؤسسة تشرح له لماذا يجب أن يكون ممتنًا.

عندها لا تعود المشكلة في «وعي الشعب» وحده، بل في منظومة كاملة تعلمت كيف تحمي نفسها من النقد عبر جعل الضحية تشك في نفسها.

والنتيجة مجتمع يجلد نفسه، ونخبة تشرح له لماذا يستحق ما يحدث له، وسلطة تقول إنها بريئة، ورأس مال يواصل حساباته، بينما المواطن يدفع.

يدفع الضرائب، والوقت، والأعصاب.

وقد يدفع ثمن التعليم الخاص عندما يعجز التعليم العمومي، وثمن العلاج عندما لا يجد الخدمة التي يحتاجها، وثمن النقل، وثمن الأمن، وثمن الفوضى.

ثم يُطلب منه، بعد كل ذلك، أن يقول:

«الحمد لله على نعمة الدولة.»

نعم، إنها نعمة عظيمة…

خصوصًا إذا كانت الفاتورة تصل في موعدها.

أما الخدمة؟

فهي في الطريق.

منذ سنوات.

ويبدو أنها ضاعت في الطريق.

القادم أسوأ… ليس لأن الشعب “قطيع”، بل لأن هناك من يريد للشعب أن يبقى كذلك، ثم يغضب عندما يبدأ أحد الخراف في السؤال: إلى أين نحن ذاهبون؟

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث