ثلاثون سنة… والمسافات لم تقطع خيط الصداقة | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

ثلاثون سنة… والمسافات لم تقطع خيط الصداقة

IMG-20260925-WA0023

أحيانًا تكشف لنا الحياة عن أشياء جميلة في لحظة لا نكون مستعدين لها، فنلتقي بأشخاص للمرة الأولى، ثم نكتشف أن وراء ذلك اللقاء حكاية عمر كامل، وهذا ما حدث لي عندما تعرفت، عن طريق أعز صديقة لي، على مجموعة من أستاذات الرياضة، فقد دخلت إلى ذلك اللقاء وأنا أرى أمامي مجموعة من النساء تجمعهن معرفة وصداقة، ثم اكتشفت شيئًا جعلني أتوقف طويلًا عند تفاصيل العلاقة بينهن: أكثر من ثلاثين سنة من الصداقة، ثلاثون سنة عبرت بهن من مراحل مختلفة من العمر، وتوزعت بهن الحياة بين المسؤوليات والبيوت والمدن والظروف، ومع ذلك بقي الخيط الذي جمعهن في البداية ممتدًا إلى اليوم.ما شدني فيهن منذ اللحظة الأولى أنني شعرت بأن بينهن تاريخًا لا يمكن أن تصنعه الأيام القليلة، فهناك طريقة خاصة في الحديث، وذاكرة مشتركة تظهر فجأة وسط الكلام، وابتسامة تفهمها واحدة قبل أن تكمل الأخرى جملتها، وحكايات قديمة يكفي أن تذكر إحداهن تفاصيل صغيرة منها حتى تنفجر الضحكات من حولها، وكأن السنوات الثلاثين كلها كانت جالسة معهن على الطاولة.ثم بدأت أكتشف أن الحياة أخذت كل واحدة منهن في اتجاه، فهناك من أصبحت تسكن بعيدًا عن الأخرى، ومن فرضت عليها ظروفها مسافة لا تسمح بلقاء متكرر، وهناك من أصبحت لها مسؤولياتها الخاصة وبيتها وعائلتها وعالمها اليومي، ومع ذلك بقيت بينهن تلك المساحة التي لا تستطيع المسافات الوصول إليها، وكأن لكل واحدة منهن مكانًا محفوظًا في حياة الأخريات، مهما ابتعدت البيوت وتباعدت الطرق.وهنا تحديدًا بدأت أفكر في معنى الصداقة الحقيقية، لأن القرب الجغرافي قد يجمع أشخاصًا كثيرين، لكنه وحده لا يصنع علاقة عميقة، بينما تستطيع صداقة صادقة أن تعيش بين مدينتين أو أكثر، وأن تبقى حاضرة حتى عندما تقل اللقاءات، لأن الرابط الحقيقي يوجد في مكان آخر؛ في الاهتمام، وفي السؤال، وفي الذكريات المشتركة، وفي ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان يعرف أن هناك أشخاصًا في هذا العالم يمكنه أن يعود إليهم مهما أخذته الحياة بعيدًا.كنت أتأمل كل واحدة منهن على حدة، وأحاول أن أتخيل كيف يمكن لثلاثين سنة أن تختصر في جلسة واحدة، فكل واحدة تحمل في ذاكرتها سنواتها الخاصة، وفي الوقت نفسه تحمل جزءًا من ذاكرة الأخريات، وكل واحدة تعرف تفاصيل من حياة صديقتها تعود إلى زمن بعيد، ولذلك تصبح العلاقة بينهن أشبه بخيط طويل مر عبر أعمار مختلفة، كل مرحلة أضافت إليه شيئًا، وكل موقف عقد فيه عقدة جديدة، وكل لقاء أعاد إليه دفئه.تخيلت بداياتهن الأولى، حين كانت الصداقة في عمر الشباب، حين كانت الحياة أمامهن مفتوحة على احتمالات كثيرة، وحين كانت اللقاءات أسهل والمسؤوليات أقل، ثم تخيلتهن بعد سنوات، وقد تغيرت البيوت وتبدلت المدن وكبرت العائلات وتراكمت المسؤوليات، ومع ذلك ظل هناك شيء يجعلهن يعدن إلى بعضهن، ولو بعد فترة، وكأن الصداقة القديمة تحتفظ دائمًا بعنوان أصحابها مهما تغيرت العناوين.وهذا بالتحديد ما جعلني أشعر أن قصتهن أجمل من مجرد رقم اسمه ثلاثون سنة، لأن الرقم وحده لا يحكي شيئًا، بينما المسافة التي قطعتها كل واحدة منهن مع الأخريات تحكي الكثير؛ تحكي عن سنوات الدراسة والعمل، وعن لحظات الفرح، وعن الأيام التي ربما احتاجت فيها واحدة منهن إلى الأخريات، وعن مناسبات اجتمعن فيها، وأخرى حالت الظروف دون حضورهن، وعن أوقات طويلة مرت بين لقاء وآخر، ثم جاء اللقاء التالي فعاد كل شيء إلى مكانه بسهولة غريبة.هناك صداقات تحتاج إلى اللقاء المستمر حتى تبقى حية، وهناك صداقات يصبح اللقاء فيها مناسبة لاستعادة شيء ظل حيًا طوال فترة الغياب، وأشعر أن هؤلاء الأستاذات ينتمين إلى النوع الثاني؛ فالمسافة بين البيوت والمدن تستطيع أن تؤجل اللقاء، لكنها لا تستطيع أن تلغي الألفة، والانشغال يستطيع أن يقلل عدد المكالمات، لكنه لا يمحو مكانة الصديقة، والسنوات تستطيع أن تغير الكثير في الإنسان، لكنها حين تجد علاقة مبنية على العِشرة والاحترام، تضيف إليها طبقات جديدة من المعنى.والأجمل أن كل واحدة منهن تبدو وكأنها جاءت إلى هذه الصداقة بشخصيتها الخاصة، بذاكرتها وتجاربها ومسارها، ومع ذلك وجدت مكانًا بينها وبين الأخريات، فلم تصبح المسافة سببًا للتباعد الحقيقي، ولم يصبح اختلاف الظروف سببًا لانطفاء العلاقة، وإنما بقي بينهن ذلك الخيط الرفيع الذي قد لا نراه بأعيننا، لكنه يظهر في كل مرة تجتمع فيها المجموعة من جديد.كنت أراقبهن وأفكر: كم علاقة في حياتنا تستطيع أن تتحمل كل هذا التغير؟ كم شخصًا يمكن أن يبتعد عنا جغرافيًا ويبقى قريبًا منا وجدانيًا؟ وكم صداقة تبدأ قوية ثم تذوب مع أول تغيير في المكان أو العمل أو المسؤوليات؟ ربما تكمن قيمة هؤلاء الأستاذات في أنهن قدمن أمامي إجابة حية دون أن يقصدن ذلك؛ العلاقة التي تجد جذورها في القلب تستطيع أن تتحمل اختلاف المدن، وتغير البيوت، وتبدل الظروف، لأن حضور الإنسان في حياة صديقه لا يقاس دائمًا بعدد مرات رؤيته.وأنا أستمع إلى حديثهن، كنت أشعر أن كل واحدة منهن تحمل نسخة قديمة من الأخريات، نسخة تعود إلى زمن لا يعرفه سواهن، ولذلك فإن وجودهن معًا يشبه فتح ألبوم قديم، كل صورة فيه تحمل وجهًا من الماضي، وكل حكاية تعيد إلى الحاضر شيئًا من العمر الذي مضى، وربما لهذا السبب تكون الضحكة بين الصديقات القديمات مختلفة، فهي لا تضحك على الموقف وحده، وإنما تضحك أيضًا على تاريخ كامل يعود فجأة إلى الذاكرة.ومن الأشياء التي أثارت إعجابي أن هذه الصداقة تبدو وكأنها كبرت معهن، فقد بدأت في مرحلة عمرية معينة ثم أخذت شكلًا جديدًا مع كل مرحلة، وعندما دخلت المسؤوليات إلى حياتهن، تغيرت طريقة اللقاء، وعندما فرضت المسافات نفسها، أصبح التواصل يأخذ أشكالًا أخرى، وعندما أصبح لكل واحدة بيتها وعائلتها والتزاماتها، بقيت الصداقة قادرة على إيجاد مساحة لها وسط كل ذلك، وهذه القدرة على التكيف ربما تكون واحدة من أسرار العلاقات التي تعيش طويلًا.لأن الصداقة الحقيقية لا تطلب من الحياة أن تتوقف حتى تستمر، وإنما تتعلم كيف تعيش داخل الحياة نفسها، بين العمل والبيت والمسؤوليات والسفر والمسافات، وتجد لنفسها مكانًا مهما ضاقت الأيام.وأنا التي تعرفت إليهن حديثًا، شعرت أنني أمام مجموعة من النساء يجمعهن أكثر من مجرد تاريخ مشترك؛ يجمعهن احترام متبادل، وذكريات كثيرة، ومساحة من الأمان تسمح لكل واحدة بأن تكون نفسها، وهذا النوع من العلاقات يلفت الانتباه لأنه لا يحتاج إلى استعراض، فالعلاقة تظهر في التفاصيل، في طريقة الاستقبال، في المزاح، في استحضار الذكريات، وفي تلك الثقة التي تجعل كل واحدة تعرف أن الأخريات موجودات في مكان ما من حياتها حتى عندما تأخذها الأيام بعيدًا.ربما لهذا السبب بقيت صورتهن في ذهني بعد انتهاء اللقاء، ووجدتني أفكر في أن أجمل ما يمكن أن يحدث للإنسان هو أن يجد في عمره أشخاصًا يستطيعون أن يكبر معهم دون أن يشعر أن السنوات تفرقه عنهم، وأن يجد بعد ثلاثين سنة وجوهًا ما زالت تحمل له الدفء نفسه، وأن يستطيع، رغم اختلاف المدن والبيوت والمسافات، أن يعود إلى تلك الدائرة فيجد مكانه محفوظًا.ثلاثون سنة بين هؤلاء الأستاذات تعني أن هناك آلاف التفاصيل التي لا يعرفها أحد عنهن، وربما لو جلسنا مع كل واحدة منهن وحدها لروت لنا حكاية مختلفة عن المجموعة، عن أول لقاء، وعن أول ضحكة، وعن المواقف التي قربتهن أكثر، وعن الأيام التي فرقت بينهن مؤقتًا، وعن اللقاءات التي أعادتهن إلى بعضهن، وعن كل تلك التفاصيل الصغيرة التي تصنع في النهاية شيئًا كبيرًا اسمه العِشرة.وهذا ما جعلني أنظر إليهن بإعجاب خاص، لأنني رأيت أمامي نموذجًا لعلاقة استطاعت أن تعيش رغم أن الحياة بطبيعتها تدفع الناس إلى اتجاهات مختلفة، فكل واحدة أصبحت لها حياتها وسكنها ومسؤولياتها، وكل واحدة تحمل عالمًا خاصًا بها، ومع ذلك بقيت الأخريات جزءًا من ذلك العالم، وربما أجمل ما في الأمر أن المسافة بينهن أصبحت مجرد مسافة على الخريطة، بينما بقيت المسافة الحقيقية بين القلوب قصيرة جدًا.قد نعيش تحت سقف واحد ونشعر بالغربة، وقد تفصلنا مدن وطرق وساعات سفر ونشعر بقرب شديد من شخص لا نراه إلا نادرًا، لأن القرب الحقيقي لا تحدده الجغرافيا وحدها، وإنما تحدده قيمة الإنسان في وجدان الإنسان الآخر، وهؤلاء الأستاذات جعلني لقاؤهن أرى هذه الحقيقة بطريقة حية وبسيطة.ومن خلالهن فهمت أن بعض الصداقات لا تحتاج إلى أن تتحدث كثيرًا عن نفسها، لأنها تترك الزمن يتحدث عنها، فثلاثون سنة كانت كافية لتقول إن هذا الرابط مر باختبارات كثيرة، وإن كل واحدة منهن استطاعت أن تحتفظ للأخريات بمكان، رغم تغير الحياة، ورغم اختلاف البيوت، ورغم المسافات التي أخذت كل واحدة منهن إلى طريق مختلف.ولعل أجمل ما خرجت به من هذا اللقاء أنني اكتشفت أن الصداقة قد تبدأ في مكان وزمن محددين، لكنها إذا كانت صادقة تستطيع أن تسافر مع أصحابها أينما ذهبوا، فتنتقل من مدينة إلى أخرى، ومن بيت إلى بيت، ومن مرحلة عمرية إلى أخرى، ويبقى بينها خيط رفيع لا يظهر إلا عندما تجتمع الوجوه من جديد، فتشعر أن كل شيء عاد إلى مكانه، وأن السنوات التي مرت كانت مجرد طريق طويل أوصل الجميع إلى اللحظة نفسها.وهكذا، وأنا التي تعرفت إلى هؤلاء الأستاذات عن طريق صديقة عزيزة، وجدت نفسي أخرج من اللقاء وأنا أحمل فضولًا جميلًا تجاه حكايتهن، وأفكر في كل واحدة منهن، في مدينتها وبيتها ومسارها، وفي المسافة التي قطعتها الحياة بينها وبين الأخريات، ثم أعود إلى السؤال الأجمل: كيف استطاعت هذه المجموعة أن تحافظ على ذلك الخيط طوال أكثر من ثلاثين سنة؟ربما لا توجد إجابة واحدة، وربما سر علاقتهن موجود في كل التفاصيل التي عاشنها معًا، في لحظات لا نعرفها، وفي مواقف صنعت الثقة، وفي ضحكات تراكمت عبر السنين، وفي حضور ظهر في الوقت المناسب، وفي غياب لم يتحول إلى قطيعة، وفي مسافات تحولت إلى مجرد اختبار لعمق العلاقة.كل ما أعرفه أنني رأيت أمامي شيئًا نادرًا وجميلًا؛ رأيت نساء فرّقت بينهن الجغرافيا أحيانًا، وشغلت كل واحدة منهن حياتها الخاصة، لكن بقي بينهن خيط لا ينقطع، خيط نسجته أكثر من ثلاثين سنة من العِشرة، وكلما حاول الزمن أن يأخذهن في اتجاه مختلف، أعادتهن الذاكرة إلى بعضهن.وربما لهذا السبب تحديدًا كان لقائي بهن مختلفًا؛ لأنني لم أتعرف فقط على مجموعة من أستاذات الرياضة، وإنما اقتربت من حكاية نساء أثبتن، من خلال حضورهن وحده، أن بعض العلاقات كلما طال عمرها ازدادت قيمة، وأن الصداقة الحقيقية قد تتسع للمسافات والاختلافات وتغير الحياة، ثم تبقى في النهاية تلك المساحة الدافئة التي تعرف كل واحدة منهن أنها تستطيع العودة إليها، مهما ابتعدت بها الأيام.تأملتُهن في نهاية اللقاء، وفكرت في كل تلك المسافات التي تفصل بيوتهن ومدنهن، ثم أدركت أن بعض الصداقات أقوى من الجغرافيا وأطول عمرًا من الزمن. ثلاثون سنة مرّت، تغيّرت البيوت، وتبدلت الظروف، وتباعدت الطرق، وبقي الخيط بينهن مشدودًا كأنه يرفض أن ينقطع. وربما أجمل ما في حكايتهن أنهن لم يحتجن إلى القرب كي يبقين قريبات؛ فقد تكفّلَت العِشرة بما عجزت عنه المسافات، وحين اجتمعن من جديد بدا واضحًا أن هناك صداقات لا يطويها الغياب… وإنما يجعلها الزمن أكثر قوة.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث