يمر عيد الأضحى هذا العام على المملكة المغربية الشريفة متدثراً بعباءة الحزن والانكسار، ومخلفاً وراءه شروخاً غائرة في جدار السلم الاجتماعي والمنظومة الأخلاقية للمجتمع. فلم تكن الأزمة مجرد ندرة في الأكباش أو ارتفاع في الأسعار، بل كانت صدمة بنيوية كشفت الفجوة الهائلة بين مغرب الأوراق والبيانات الرقمية ومغرب الواقع والمعاناة اليومية.
وحين تقف الأسر المغربية، من الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، عاجزة ومتباكى أمام أطفالها في رحبات البيع، فإن الأمر يتجاوز تعذر إقامة شعيرة دينية، إنه يمس كرامة المواطن واستقرار وطن يمتد تاريخه لأكثر من اثني عشر قرناً.
تُشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الفلاحة والصيد البحري إلى أرقام فلكية تعكس طمأنينة رقمية تامة، حيث يتحدث المسؤولون عن قطيع وطني يتجاوز اثنين وثلاثين مليون رأس، من بينها أزيد من ثلاثة وعشرين مليون رأس من الأغنام، مسنودة ببرنامج دعم مالي ضخم رُصدت له ميزانية استثنائية تصل إلى أحد عشر مليار درهم، استهدفت مليوناً ومائتي ألف كساب.
لكن السؤال الحارق والمشروع الذي يطرحه الشارع المغربي اليوم هو أين اختفت هذه الملايين من الرؤوس في أسبوع المحنة. إن هذه المفارقة الصارخة تضع مصداقية قواعد البيانات الرسمية على المحك، وتفرض تفعيل المادة الدستورية القاضية بربط المسؤولية بالمحاسبة.
ففي الدول التي تحترم شعوبها، تتحول هذه الفجوة الرقمية إلى ملفات تحقيق جنائي وسياسي، لمعرفة كيف تحولت رؤوس الأغنام المدعومة من كائنات حية في المراعي إلى مجرد بيانات وهمية في حواسيب الوزارة الوصية، خاصة وأن أصوات صغار الكسابة قد بحّت وهم يؤكدون عدم توصلهم بالدعم، مما يستدعي فحصاً دقيقاً ومستعجلاً لخريطة توزيع أموال دافعي الضرائب لمعرفة لمن صُرف هذا الدعم وكيف دُبّر.
لقد شهدت الأيام القليلة التي سبقت العيد، وتحديداً يومي الإثنين والثلاثاء، فوضى عارمة في الأسواق الوطنية تجسدت في اختلالات تقنية وأسئلة غائبة تُسائل الأجهزة التنفيذية والرقابية.
ومن أبرز هذه الاختلالات غياب الحلقات والتهرب من الإحصاء، فكيف سُمح لآلاف الأكباش غير المرقمة بالولوج إلى رحبات البيع الرسمية دون مساءلة أصحابها، حيث يُعد إخفاء الكسابة لأكباشهم للتملص من الإحصاء أو التلاعب بنسبة الثروة الحيوانية ضرباً للاستقرار الاقتصادي وتدليساً وطنياً يستوجب المحاسبة القانونية.
وينضاف إلى ذلك الأسعار الصاروخية وجشع الشناقة، وسط تساؤلات حارقة عن غياب التأطير الميداني لوزارة الداخلية واللجان المحلية لضبط وتيرة الأسواق ومنع المضاربات التي قفزت بالأسعار إلى مستويات خيالية وغير مبررة.
ولم تقف المعاناة عند هذا الحد، بل تعدتها إلى السلامة الصحية والبيطرية، بعدما مرت أكباش ممتلئة بالبثور، والحبوب، والتعفنات الظاهرة أمام أعين الجهات المختصة بالصحة الحيوانية دون منعها أو حجزها حماية للمستهلك.
إن خطورة هذه الأزمة لا تقف عند حدودها الاقتصادية، بل تمتد لتلقي بظلالها القاتمة على المستقبل السياسي للبلاد والاستحقاقات الانتخابية القادمة، حيث يتنامى في الأوساط الشعبية تساؤل مشروع ومخيف حول ما إذا كان ما حدث خطة حزبية ممنهجة لتعميق العزوف الانتخابي.
فإيصال المواطن إلى حافة الفقر الشديد والانكسار النفسي أمام عائلته يساهم في خلق فئة معوزة ومحتاجة، يسهل استغلال ضعفها ونقص حاجتها في الحملات الانتخابية بكلفة مالية قليلة، وهي عملية تجهيل وإفقار ممنهج تخدم السماسرة وتجار الانتخابات لشراء الذمم واستمالة الأصوات، مما يضرب في الصميم مشروع المسار الديمقراطي للمملكة.
فكيف يمكن للحكومة أن تطالب المواطن بالتسجيل في اللوائح الانتخابية وهو الذي قاطعته الفرحة وعاش العيد بدموع القهر.كما يطرح هذا الوضع إشكالاً عميقاً يتعلق بميزان العدالة والأخلاق في مغرب بنكهتين، فكيف يحق لنا كأمة أن نكون سعداء، وجزء كبير من الشعب يعيش كربة العيد وسط الدموع والحسرة، بينما جزء آخر يحتفل دون اكتراث.
إن عهد المغاربة عبر التاريخ هو استقبال هذا العيد بالفرح والزغاريد والتآزر، لا بالانكسار، ونحن اليوم أمام أزمة أخلاقية كبرى وتناقض صارخ يهدد التماسك المجتمعي، ويذكي فتيل الاحتقان والانتفاضات الشعبية التي يحاول العابثون بالاستقرار إشعالها عبر التلاعب بقوت وشعائر المغاربة.
وأمام هذا الانسداد الحكومي، والعجز الواضح للجان المراقبة التابعة لوزارتي الفلاحة والداخلية، بات من الضروري والملح أن تتدخل رئاسة الدولة في شخص أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، باعتباره حامي الحمى والدين وضامن استقرار البلاد، لتحريك لجنة ملكية خاصة ومستقلة للتحقيق. يجب التحقيق مع كل من كذب على المغاربة بشعارات الوفرة والجاهزية، ومع كل من عبث بالدعم المالي، ومع من تهاون في ضبط الأسواق، لأن الإنصاف الحقيقي للمغاربة الذين أدرفوا دموعهم انكساراً في رحبات بيع الأضاحي، يبدأ من قاعات المحاكم والمحاسبة الصارمة لكل من تسول له نفسه اللعب بالسلم الاجتماعي للمملكة المغربية الشريفة.


Comments
0