عاد سعر البيض في عدد من الأسواق المغربية إلى الارتفاع، بعد أسابيع من التراجع الذي دفع ثمن البيضة في بعض نقاط البيع إلى حدود 60 سنتيمًا، في تطور يعيد إلى الواجهة إشكالية تقلب الأسعار ومدى ارتباطها بحجم العرض والطلب.
وتتفاوت الأسعار حاليًا من مدينة إلى أخرى، إذ يتراوح سعر البيضة في بعض الأسواق بين 80 و90 سنتيمًا، فيما تجاوزت في أسواق أخرى حاجز الدرهم، رغم استمرار الحديث عن وفرة الإنتاج وعدم تسجيل نقص واضح في المعروض.
ويأتي هذا الارتفاع بالتزامن مع استمرار العطلة الصيفية واقتراب الدخول المدرسي، إلى جانب الطلب المرتبط بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، وهي عوامل من شأنها أن ترفع وتيرة الاستهلاك وتؤثر في حركة الأسعار.
عوامل متعددة وراء ارتفاع الأسعار
ويربط خالد الإدريسي، الكاتب العام للجمعية الوطنية لتجار وموزعي بيض المائدة، الارتفاع المسجل بمجموعة من العوامل المتزامنة، من بينها زيادة الطلب خلال الفترة الحالية، واستمرار النشاط التجاري المرتبط بالموسم الصيفي، فضلاً عن تأثير موجة الحرارة على عدد من المتدخلين في القطاع.
كما تحدث الإدريسي عن وجود ما وصفه بـ”شبهة تكثيف التصدير نحو موريتانيا”، غير أنه أوضح أن الأمر يظل في إطار المرويات المتداولة مهنيًا، في غياب معطيات دقيقة وحاسمة تؤكد خروج كميات كبيرة من البيض نحو الأسواق الخارجية.
في المقابل، يقدم عزيز أدمو، وهو فاعل مهني في القطاع، قراءة مختلفة، إذ يؤكد أن السوق تعرف وفرة نسبية في العرض، وأن الإنتاج الحالي قادر على تغطية حاجيات الاستهلاك الوطني، نافيًا وجود مؤشرات واضحة على تصدير مكثف للبيض نحو موريتانيا خلال الفترة الراهنة.
وبذلك، لا يبدو الخلاف بين المهنيين مرتبطًا أساسًا بوجود البيض في السوق، وإنما بكيفية انتقاله من مرحلة الإنتاج إلى المستهلك، وبالعوامل التي تتحكم في السعر خلال مختلف حلقات التسويق.
من 65 سنتيمًا إلى درهم
وبحسب المعطيات المهنية المتداولة، يتراوح سعر البيضة المتوسطة في سوق الجملة حاليًا بين 93 و95 سنتيمًا، بينما يقترب سعر البيضة الكبيرة من درهم واحد، بعدما سبق أن سجلت الأسعار خلال الفترة الماضية انخفاضًا كبيرًا، ووصلت في بعض الضيعات إلى ما بين 65 و70 سنتيمًا.
ويعيد هذا التذبذب إلى الأذهان ما شهده القطاع خلال شهر ماي الماضي، عندما أدت وفرة الإنتاج وتجاوز العرض للطلب إلى انخفاض الأسعار، ما دفع عددًا من المنتجين إلى تخفيض أثمان البيع من أجل تصريف الإنتاج، في ظل طبيعة البيض سريعة التلف.
كما شهد السوق، خلال شهر مارس الماضي، وضعية مماثلة من حيث التناقض بين وفرة الإنتاج والأسعار الموجهة للمستهلك، إذ تحدث مهنيون آنذاك عن إنتاج يومي يقترب من 23 مليون بيضة، في وقت بلغ فيه سعر البيضة للمستهلك في بعض الأسواق نحو 1.50 درهم، قبل أن تتراجع الأسعار لاحقًا مع تحسن العرض.
أين تكمن المشكلة؟
تكشف هذه التحولات المتسارعة أن معادلة الأسعار لا ترتبط دائمًا بحجم الإنتاج وحده، بل تتأثر كذلك بسرعة تغير الطلب، وتكاليف النقل والتوزيع، وهوامش مختلف المتدخلين، إضافة إلى قدرة السوق على استيعاب الإنتاج في الوقت المناسب.
وفي هذا السياق، يتداول بعض المهنيين، دون تقديم معطيات حاسمة، فرضية لجوء بعض الوسطاء أو الشركات إلى شراء كميات كبيرة من البيض وتخزينها، بما قد يؤثر في حجم المعروض وفي اتجاه الأسعار.
غير أن هذه الفرضية تظل بحاجة إلى إثبات، إذ لا يمكن اعتبار ارتفاع الأسعار، في حد ذاته، دليلًا على وجود احتكار أو ممارسات غير مشروعة، كما أن ارتفاع الطلب الموسمي لا يعني بالضرورة وجود تلاعب بالسوق.
المشكلة الأساسية، وفق هذا الطرح، تكمن في محدودية وضوح سلسلة التسعير بالنسبة إلى المستهلك، الذي يواجه السعر النهائي دون أن تتوفر له صورة دقيقة عن الكلفة الحقيقية التي تتراكم منذ خروج البيضة من الضيعة وصولًا إلى نقطة البيع.
الدخول المدرسي أمام اختبار جديد
ومع اقتراب الدخول المدرسي، تترقب السوق مرحلة جديدة قد تكشف طبيعة الارتفاع الحالي. فإذا استمر الطلب في الصعود مع استقرار الإنتاج عند مستوياته الحالية، فقد تتعرض الأسعار لمزيد من الضغوط، بينما قد يكون الارتفاع مؤقتًا في حال حافظ العرض على مستوياته الحالية أو ارتفع خلال الأسابيع المقبلة.
وبذلك، فإن المؤشر الأكثر أهمية لن يكون فقط سعر البيضة في السوق، وإنما تطور حجم الإنتاج، ومستوى الطلب، وتكاليف التوزيع، وحركة الكميات بين مختلف حلقات التسويق.
فالسوق المغربية لا تبدو، وفق المعطيات المهنية المتاحة، أمام نقص حقيقي في البيض، بقدر ما تواجه تقلبات سريعة في الأسعار رغم استمرار الإنتاج بمستويات مرتفعة.
ويبقى السؤال الأبرز المطروح أمام مختلف المتدخلين هو: كيف يمكن ضمان انتقال وفرة الإنتاج إلى المستهلك بسعر عادل، وفي الوقت نفسه حماية المنتج من الخسائر عندما تتجاوز الكميات حجم الطلب؟
إن تكرار الانتقال السريع من انهيار الأسعار الذي يضر بالمنتجين إلى ارتفاعها الذي يضغط على القدرة الشرائية للمستهلكين، يبرز الحاجة إلى مزيد من الشفافية في مختلف حلقات السوق، وتعزيز آليات تتبع الأسعار والتوزيع، بما يضمن توازنًا أفضل بين مصالح المنتجين والموزعين والمستهلكين.
فالبيض، رغم بساطة المنتج، أصبح يعكس بوضوح تعقيدات العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك والتوزيع، ويطرح سؤالًا أوسع حول قدرة السوق على تحقيق التوازن بين وفرة الإنتاج واستقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطن.


Comments
0