على إقاعات عروض أحيدوس ب مهرجان أجذير إيزوران وفي كل مناسبة، يبقى أحيدوس رقص جماعي يُجسّد مشاعر الاحتفال والفرح، وتؤثث به المناسبات والاحتفالات، تعبير ثقافي أمازيغي ضارب في عمق الذاكرة الجماعية، وموروث شفهي لامادي تتداخل فيه الكلمة الشعرية والإيقاع والحركة، في انسجام يعكس جانباً من الهوية الثقافية والاجتماعية لساكنة الأطلس المتوسط، وخاصة منطقة فزاز.
يسند رواد فن أحيدوس تطور هذا النمط الاحتفالي والتحولات التي عرفها هذا الفن الأصيل، إلى مراحل العصرنة من طقوس يشارك فيها الجميع إلى أنصاف دائرة تنقسم إلى ممارس وٱخر متفرج، فقديما قبل ظهور منصات العرض كان الأداء الدائري هو ما يميز أحيدوس، حين كان المشاركون ينتظمون في حلقة تتحرك وتدور في تناغم جماعي، بما تحمله الدائرة من دلالات الاستمرارية والتلاحم والمساواة في الانتماء إلى الجماعة.
غير أن انتقال أحيدوس من فضاءاته التقليدية المفتوحة إلى خشبات العروض والمهرجانات أحدث تحولاً في بنيته الحركية حيث فرضت متطلبات الفرجة، والتموضع أمام الجمهور والميكروفونات، شكلاً من الأداء الاستعراضي الذي تقلصت معه الحركة الدائرية، لتحل محلها تشكيلات أكثر ثباتاً، تتيح للجمهور متابعة الأداء والاستماع إلى الأشعار.
أما المايسترو، أو قائد الفرقة، فلا يقتصر دوره على ضبط الإيقاع وتوحيد الحركات، بل يمثل محوراً تنظيمياً وفنياً داخل المجموعة.
ويكتسي سلهامه التقليدي دلالة خاصة، باعتباره عنصراً من عناصر الهيبة والوقار والتميز البصري، فيما تتجلى سلطته الفنية في قدرته على توجيه الأداء، وضبط الانتقالات الإيقاعية، وتوزيع الأدوار الشعرية بين المشاركين، بما يضمن وحدة التعبير وانسجام المجموعة.
وتبرز إحدى أهم خصوصيات أحيدوس في الأداء الجماعي المختلط بين المرأة والرجل، حيث يلتقي الصوتان والحركتان في فضاء تعبيري مشترك. وهي خصوصية يمكن قراءتها بوصفها تجسيداً لمكانة المرأة في التعبير الثقافي الأمازيغي، وشاهداً على حضورها الفاعل في حفظ الشعر الشفهي وتناقله، بعيداً عن اختزال دورها في مجرد تأثيث المشهد الاحتفالي.
إن هذا التفاعل بين الجنسين يمنح أحيدوس بعداً اجتماعياً يتجاوز الفرجة، ليصبح فضاءً للتواصل والتعبير عن الوجدان الجماعي، وعن قيم التضامن والتكامل التي طبعت جوانب من الحياة الاجتماعية الأمازيغية.ويبقى السؤال الذي يُثيره هذا الرأي: هل استطاع أحيدوس، وهو ينتقل من الحلقة التقليدية إلى خشبة المهرجان، أن يحافظ على جميع أبعاده التعبيرية والرمزية؟ أم أن ضرورات العرض الحديث اختزلت بعض ملامحه الأصيلة؟
إن صون أحيدوس باعتباره تراثاً ثقافياً غير مادي لا ينبغي أن يقتصر على المحافظة على أزيائه وإيقاعاته وأشعاره، بل يستدعي أيضاً توثيق أشكال أدائه القديمة، وفهم رمزية حركاته، وتسجيل شهادات رواده وحملة ذاكرته، حتى لا تضيع مع تعاقب الأجيال تفاصيل تشكل جزء أصيلاً من الذاكرة الثقافية لمنطقة فزاز والأطلس المتوسط.
فأحيدوس ليس إيقاع يُسمع أو حركة تُشاهد فحسب، بل ذاكرة جماعية تُروى بالجسد والكلمة والإيقاع.


Comments
0