لم يعد ارتفاع الأسعار في المغرب مجرد تفاعل طبيعي مع الأزمات الدولية، بل أصبح نمطًا متكررًا يثير أكثر من سؤال. فكلما ارتفعت كلفة المحروقات أو اهتزت سلاسل التوريد، ترتفع الأسعار بسرعة، لكن حين تهدأ الأوضاع… لا يحدث العكس.
خلال تداعيات حرب أوكرانيا، عاش المغاربة موجة غلاء قوية، قُدمت حينها كأمر ظرفي فرضته التحولات العالمية. غير أن “الظرفي” طال أمده، وتحول إلى واقع دائم، حيث استقرت الأسعار عند مستويات مرتفعة دون أن تعود إلى سابق عهدها، رغم تراجع جزء من أسباب الغلاء.
الخطأ الشائع هو تحميل المسؤولية للتاجر الصغير، بينما الحقيقة أن هذا الأخير ليس سوى حلقة أخيرة في سلسلة طويلة. القرار السعري يُصنع لدى الشركات المنتجة والموزعين الكبار، الذين يتحكمون في كلفة الجملة وهوامش الربح، ويملكون من القوة ما يكفي لفرض إيقاع السوق. وهكذا، يجد التاجر نفسه مجبرًا على البيع وفق شروط لا يحددها، بينما يتحمل المواطن النتيجة النهائية.
موسم وفير وأسعار نارية!
لكن المفارقة الأكبر التي تكشف الوجه الحقيقي لهذه الآلية السعرية، تتجلى هذه الأيام في مشهد يثير الحيرة والسخط معاً. فعندما كان المواطن يسأل عن غلاء الخضر والفواكه والمنتجات الفلاحية، حتى في فترات انخفاض أسعار المحروقات، كان الجواب الجاهز والدائم: “الجفاف”. لسنوات، شكل العجز المطري تفسيراً منطقياً ومقبولاً لارتفاع الأثمان، فقلة المياه تعني قلة الإنتاج، وقلة الإنتاج تعني ارتفاع الأسعار.
لكن المنطق نفسه ينهار تماماً هذا الموسم! فبعد سنوات من الجفاف المتتالي، عرف الموسم الفلاحي الحالي تساقطات مطرية مهمة ومبكرة، عمت مختلف جهات المملكة. الخزانات المائية انتعشت، والأراضي الفلاحية ارتوت، والمزارع أنتجت بكثافة. موسم فلاحي واعد كان المنتظر أن يبشر بانفراجة في الأسعار ويعيد القدرة الشرائية للمغاربة إلى نصابها.
لكن ما حدث كان العكس تماماً: الأسعار بقيت في السماء، وكأن شيئاً لم يتغير! المفارقة أن الفلاح المنتج نفسه قد لا يكون المستفيد من هذه الأسعار الخيالية. ففي كثير من الأحيان، يضطر الفلاح لبيع منتوجه بثمن بخس للوسطاء والموزعين الكبار، ليصل بعد ذلك إلى المستهلك بضعف أو ثلاثة أضعاف الثمن. هذا يعني أن هناك حلقة مظلمة في سلسلة التسويق، تتحكم فيها شركات الوساطة الكبرى وأسواق الجملة، التي تفرض أسعارها بعيداً عن أي رقابة.
هذه المفارقة تكشف زيف التبريرات التي طالما قدمت للمغاربة. فإذا كان الجفاف هو المبرر الوحيد للأسعار المرتفعة، فلماذا لا تنخفض الأسعار اليوم مع وفرة الإنتاج؟ المنطق الاقتصادي البسيط يقول إن زيادة العرض مع ثبات الطلب تؤدي إلى انخفاض الأسعار. لكن السوق المغربي يثبت مرة أخرى أنه لا يخضع لهذا المنطق.
هذه الحلقات تستغل أي ظرف، سواء كان جفافاً أو فيضانات، لتمرير زياداتها. وعندما ينخفض سعر المحروقات عالمياً، تبرر بقاء الأسعار مرتفعة بـ”الجفاف”، وعندما تسقط الأمطار وينتعش الإنتاج، تجد مبررات أخرى أو تلتزم الصمت، تاركة الأسعار شامخة. المواطن البسيط الذي كان يصدق أن ارتفاع أسعار الطماطم والبطاطس والبصل يعود إلى قلة المياه، يكتشف اليوم أن الغلاء ليس ابن الطبيعة، بل ابن شبكات التوزيع والاحتكار.
في ظل هذا الواقع، تبرز إشكالية بنيوية: حين تتركز القوة الاقتصادية في يد فاعلين كبار، تضعف المنافسة، وتفقد الأسعار قدرتها على التفاعل الطبيعي مع الانخفاض كما تتفاعل مع الارتفاع. وهنا يصبح تدخل مؤسسات مثل مجلس المنافسة ضروريًا لضمان توازن السوق وحماية المستهلك.
اليوم، ومع تصاعد التوترات الدولية، خاصة في ظل الأزمة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، واستمرار التوتر في منطقة الخليج، تلوح في الأفق موجة جديدة من ارتفاع أسعار المحروقات، قد تنعكس مجددًا على مختلف السلع والخدمات.
وقد سارعت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات دعم لفائدة السائقين المهنيين، في محاولة للحد من تأثير هذه الزيادات على كلفة النقل، وبالتالي على الأسعار. لكن هذه الخطوة تعيد إلى الأذهان تجربة سابقة خلال أزمة أوكرانيا، حين تم اعتماد دعم مماثل، لم يمنع ارتفاع الأسعار، قبل أن يتم توقيفه، ليجد المواطن نفسه في مواجهة غلاء أثقل كاهله.
فهل نحن أمام إعادة لنفس السيناريو؟
دعم مؤقت يخفف الصدمة في البداية، ثم انسحاب تدريجي، يتبعه ارتفاع جديد قد يكون أشد من سابقه؟
الخاتمة
يبقى السؤال الأكبر معلقًا: عندما تنخفض أسعار المحروقات يومًا ما، هل ستنخفض معها أسعار المواد الغذائية والخدمات؟ أم أن التجربة ستعيد نفسها، ويظل الانخفاض غائبًا كما كان في الماضي؟
قد لا نملك الجواب اليوم، لكن المؤكد أن المستقبل القريب كفيل بكشف ذلك. فإما أن يتغير منطق السوق، وتستعيد الأسعار توازنها صعودًا ونزولًا، أو أننا سنجد أنفسنا مرة أخرى أمام نفس المشهد: أزمات تبرر الارتفاع، وهدوء لا يكفي لإعادته إلى طبيعته.


Comments
0