من «الترحال» إلى «سوق الانتخابات».. هل أصبح المقعد أهم من المبادئ؟ | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

من «الترحال» إلى «سوق الانتخابات».. هل أصبح المقعد أهم من المبادئ؟

مع الحدث ma3alhadet

كلما اقترب موعد الانتخابات، يعود إلى الواجهة واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في الحياة السياسية المغربية: انتقال المنتخبين بين الأحزاب، وتغيير الانتماءات السياسية، وإعادة ترتيب المواقع قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع.

ومع استقالة 37 نائبًا من مجلس النواب وإحالة ملفاتهم على المحكمة الدستورية، تتجدد الأسئلة حول ظاهرة لم تعد تبدو عابرة أو مرتبطة بحالات فردية، بل أصبحت تستحق نقاشًا سياسيًا وأخلاقيًا أوسع.

فما الذي يدفع منتخبًا إلى مغادرة الحزب الذي ترشح باسمه، ووصل من خلاله إلى المؤسسة المنتخبة؟ وهل يتعلق الأمر دائمًا بتحول حقيقي في القناعة السياسية، أم أن الحسابات الانتخابية والموقع داخل الخريطة السياسية قد تكون حاضرة في بعض الحالات؟

السؤال هنا ليس اتهامًا لأحد، وإنما محاولة لفهم ظاهرة تثير قلقًا مشروعًا لدى الرأي العام.

فالسياسي من حقه أن يختلف، ومن حقه أن يستقيل، ومن حقه كذلك أن يراجع مواقفه وقناعاته. لكن الناخب، في المقابل، من حقه أن يعرف ماذا يحدث لصوته بعد أن يمنحه لمرشح اختاره على أساس انتمائه الحزبي وبرنامجه وشعاراته ومواقفه.

فالانتخابات ليست مجرد عملية لاختيار أشخاص، وإنما هي، في جانب كبير منها، اختيار لمشاريع وتوجهات سياسية. وعندما تتغير الهوية السياسية للمنتخب بعد الوصول إلى المقعد، يبرز سؤال محرج: هل بقي الناخب حاضرًا في هذه المعادلة، أم أصبح دوره ينتهي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع؟

ويصبح الأمر أكثر حساسية عندما تتزامن الانتقالات السياسية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. فهنا تبدأ التأويلات، وتكثر الحسابات، ويجد المواطن نفسه أمام مشهد تتداخل فيه القناعة السياسية مع منطق البحث عن أفضل موقع انتخابي ممكن.

وفي مثل هذه الحالات، يصبح الحزب مهددًا بالتحول من فضاء لتأطير المواطنين والدفاع عن مشروع سياسي، إلى مجرد وسيلة للعبور نحو المؤسسات المنتخبة.

وهنا مكمن الخطر.

فعندما يصبح اللون الحزبي قابلًا للتغيير، بينما يبقى المقعد هو الثابت الوحيد، فإن السياسة تفقد جزءًا من معناها.

فالعمل السياسي لا يُقاس فقط بعدد المقاعد التي يتم الحصول عليها، ولا بعدد المنتخبين الذين يمكن استقطابهم، وإنما أيضًا بمدى احترام المبادئ والبرامج والالتزامات التي تُقدَّم للمواطنين.

أما المواطن، الذي يُطلب منه في كل انتخابات أن يجدد ثقته، فقد يجد نفسه أمام سؤال بسيط لكنه ثقيل: لماذا أصوّت لحزب وبرنامج ومرشح، إذا كان بإمكان هذا المرشح أن يجد نفسه غدًا في موقع سياسي مختلف؟

هذه الأسئلة، إذا لم تجد أجوبة مقنعة، فإنها لا تضر بحزب واحد أو بمنتخب واحد، وإنما تضرب الثقة في المشهد السياسي بأكمله.

والأخطر من ذلك أن استمرار هذا النوع من الممارسات قد يغذي العزوف الانتخابي، ويعزز لدى المواطن الاعتقاد بأن السياسة تحكمها الحسابات والمواقع أكثر مما تحكمها البرامج والمبادئ.

لذلك، فإن قضية استقالة النواب وإحالة ملفاتهم على المحكمة الدستورية ينبغي ألا تُقرأ فقط من زاوية قانونية أو دستورية، بل يجب أن تكون مناسبة لفتح نقاش جدي حول أخلاقيات التمثيلية السياسية، ومسؤولية المنتخب، وحق الناخب في احترام اختياره.

فالديمقراطية لا تُبنى بالصناديق وحدها، بل تُبنى أيضًا بالثقة.

وحين يفقد المواطن ثقته في أن صوته سيظل مرتبطًا بالاختيار الذي قام به، فإن الضرر يتجاوز الانتخابات نفسها، ليصل إلى علاقة المواطن بالمؤسسات والأحزاب والسياسة.

ويبقى السؤال الأكثر إزعاجًا:

هل نحن أمام حرية سياسية مشروعة في تغيير القناعات والانتماءات، أم أمام ترحال انتخابي يجعل الحزب محطة، والمقعد غاية، والناخب مجرد رقم في معادلة انتخابية؟

الجواب لا ينبغي أن تقدمه الشعارات، بل الممارسة السياسية نفسها.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث