ذكر في ذاكرة الشعوب محطات دامية لا تُقاس بالأيام والسنوات، بل بما تتركه من أثر في الوجدان الإنساني. وبين ربيع عام 2003 في المغرب وصيف عام 1995 في البوسنة والهرسك، يقف حدثان مختلفان في السياق والحجم، لكنهما يلتقيان في مأساة واحدة: استهداف الأبرياء وسقوط الضحايا تحت وطأة العنف والكراهية.
في مساء الجمعة 16 ماي 2003، اهتزّت العاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية على وقع سلسلة من التفجيرات الانتحارية المتزامنة التي استهدفت عدداً من المواقع المدنية بمدينة الدار البيضاء، من بينها مطعم «دار إسبانيا»، وفندق «فرح»، ومركز اجتماعي يهودي، إضافة إلى مواقع أخرى. وقد أسفرت الهجمات عن سقوط عشرات الضحايا ومئات الجرحى، وشكّلت واحدة من أخطر العمليات الإرهابية التي عرفها المغرب في تاريخه الحديث.
وأعقبت تلك الأحداث حملة أمنية واسعة، كما شهدت البلاد مراجعات قانونية ومؤسساتية، من بينها اعتماد قانون لمكافحة الإرهاب وتعزيز السياسات الرامية إلى تحصين الحقل الديني وترسيخ خطاب ديني وسطي ومعتدل. وقد مثّلت تلك التفجيرات نقطة تحوّل في مقاربة الدولة لملف التطرف والإرهاب.
2. 11 يوليوز 1995 – سريبرينتسا: وصمة عار في أوروبا
بعد سنوات من الحرب في البوسنة، شهد يوم 11 يوليوز 1995 واحدة من أبشع الجرائم التي عرفتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. ففي مدينة سريبرينتسا، قامت قوات صرب البوسنة بفصل الرجال والفتيان المسلمين عن عائلاتهم، قبل أن تُرتكب عمليات قتل جماعي راح ضحيتها أكثر من ثمانية آلاف رجل وفتى بوسني.
وقد اعتُبرت هذه الجريمة «إبادة جماعية» بموجب أحكام القضاء الدولي، واعتمدت الأمم المتحدة يوم 11 يوليوز يوماً دولياً للتفكر في الإبادة الجماعية التي وقعت في سريبرينتسا وإحياء ذكرى ضحاياها.
3. ما الذي يجمع بين المأساتين؟
رغم اختلاف السياقين التاريخي والسياسي، فإن هناك قواسم إنسانية مشتركة بين الحدثين:
- استهداف المدنيين: في الحالتين كان الضحايا من المدنيين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة عنف لا يميز بين إنسان وآخر.
- الإخفاق في الحماية: كشفت المأساتان حدود قدرة المؤسسات، سواء كانت وطنية أو دولية، على منع وقوع الكارثة أو حماية جميع الأبرياء من تبعاتها.
- الآثار القانونية والسياسية: فقد أفرز كل حدث تحولات عميقة؛ ففي المغرب تعزز الإطار القانوني المرتبط بمكافحة الإرهاب، بينما رسّخت مأساة سريبرينتسا مسار العدالة الدولية ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والإبادة الجماعية.
علّمنا التاريخ أن العنف لا يكتسب شرعية لأنه يرتدي ثوب الدين أو القومية أو الأيديولوجيا. فكل دم يُراق ظلماً هو خسارة للإنسانية جمعاء.
إن إحياء ذكرى سريبرينتسا لا يتعارض مع استحضار ضحايا الإرهاب في الدار البيضاء، بل يؤكد أن الوفاء للضحايا جميعاً هو موقف أخلاقي قبل أن يكون موقفاً سياسياً. فمقاومة النسيان لا تعني اختيار ضحايا نتذكرهم وآخرين نتجاوزهم، وإنما تعني أن نحفظ للإنسان كرامته أينما كان.
قد لا يعيد التاريخ نفسه حرفياً، لكنه يهمس دائماً بالتحذير ذاته: عندما يغيب العدل، وتُستباح الأرواح باسم الكراهية والتعصب، يكون الثمن إنسانياً باهظاً.


Comments
0