من سبتة إلى الريف… حين يقف ملك إسبانيا أمام القبور، من يقف أمام ذاكرة الضحايا؟ - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |politique

من سبتة إلى الريف… حين يقف ملك إسبانيا أمام القبور، من يقف أمام ذاكرة الضحايا؟

IMG_d2ecf532-684e-440d-9e35-999c8ab4318a

مشهد التسامح لا يمحو تاريخ محاكم التفتيش وطرد المسلمين واليهود وقصف الريف بالغازات السامة

في سبتة، المدينة التي تختزن واحدة من أكثر صفحات التاريخ المغربي الإسباني حساسية، اختار الملك الإسباني فيليبي السادس، مرفوقاً بالملكة ليتيثيا، أن يقف أمام قبور ضحايا المأساة التي شهدتها المدينة يومي 30 و31 يوليوز الماضي، في مقبرة سيدي امبارك الإسلامية، ضمن مراسم شارك فيها ممثلو الديانات الأربع الموجودة في المدينة.

مشهدٌ يحمل، في ظاهره، رسائل إنسانية نبيلة: ملك ينحني أمام الموتى، ورموز دينية تجتمع حول القبور، وخطاب عن التعايش واحترام الاختلاف. لكن التاريخ، حين يُستدعى بجدية، لا يكتفي بمشاهدة الصور الرسمية، ولا يسمح بأن تتحول المراسم إلى ستار يحجب الأسئلة المؤجلة.

فهل تكفي لحظة صمت أمام القبور لتمنح التاريخ صكّ الغفران؟ وهل يصبح الماضي أقل قسوة لأن الحاضر أتقن إخراج مشاهد التسامح؟

إن السؤال ليس موجهاً إلى حق الموتى في الاحترام، ولا إلى قيمة التعايش بين الأديان، بل إلى ازدواجية الذاكرة: لماذا تُستحضر الإنسانية في لحظة، بينما تظل صفحات كاملة من تاريخ الاستعمار والعنف والتهجير بحاجة إلى اعتراف ومساءلة وإنصاف؟

1000340863

من محاكم التفتيش إلى طرد المسلمين واليهود… حين تحوّلت العقيدة إلى أداة للإقصاء

قبل أن تقدم إسبانيا نفسها نموذجاً للتعدد الديني والتعايش، شهد تاريخها فصولاً قاسية من الاضطهاد الديني، ارتبطت فيها السلطة السياسية بالمؤسسات الدينية، وتحولت فيها الاختلافات العقائدية إلى مبررات للملاحقة والإقصاء.

ففي سنة 1478، أُنشئت محاكم التفتيش الإسبانية بمرسوم بابوي وبطلب من الملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلا. ولم يكن الأمر مجرد خلافات لاهوتية داخل المجتمع؛ فقد استُخدمت التحقيقات القسرية والتعذيب، وصدرَت أحكام بالإعدام، ونُفذت عمليات حرق علني للمحكوم عليهم.

واستهدفت المحاكم، على امتداد تاريخها، خصوصاً اليهود الذين اعتنقوا المسيحية والمشتبه في احتفاظهم بممارساتهم الدينية السابقة، ثم المسلمين المتحولين إلى المسيحية، إلى جانب جماعات أخرى، بينها البروتستانت في مراحل لاحقة.

ثم جاءت سنة 1492، السنة التي يُحتفى بها في الرواية الإسبانية باعتبارها محطة مفصلية في بناء الدولة، لتكشف وجهاً آخر من التاريخ: مرسوم طرد اليهود، الذي أجبر من رفضوا اعتناق المسيحية على مغادرة البلاد، وفتح الباب أمام اقتلاع جماعات كاملة من أرض عاشت فيها أجيالاً طويلة.

لم يكن الطرد مجرد قرار إداري؛ كان اقتلاعاً اجتماعياً واقتصادياً وإنسانياً، رافقته خسارة الممتلكات وتفكك الأسر ومخاطر الرحلة إلى المجهول.

وبعد أكثر من قرن، جاء الدور على الموريسكيين، أحفاد المسلمين الذين فُرض على أسلاف كثيرين منهم اعتناق المسيحية. ففي الفترة الممتدة بين 1609 و1614، نُفذت عمليات طرد جماعي شملت مئات الآلاف، مع اختلاف التقديرات التاريخية لأعداد المرحّلين.

تلك ليست تفاصيل هامشية في كتاب التاريخ، بل أسئلة جوهرية عن معنى التسامح حين يصبح الاختلاف سبباً للعقاب، وعن معنى التعايش حين يُفرض على الناس الاختيار بين التخلي عن هويتهم أو مغادرة وطنهم.

ومن هنا، فإن المشهد الديني الذي رافق زيارة سبتة يستحق أن يُقرأ في سياقه الإنساني، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى شهادة نهائية على براءة التاريخ. فالتعددية الحقيقية لا تُقاس بعدد رجال الدين الذين يقفون في صورة واحدة، بل بمدى الاستعداد لمواجهة الماضي والاعتراف بضحاياه.

الريف المغربي… حين حلّ الغاز السام محلّ خطاب الحضارة

إذا كانت محاكم التفتيش وطرد الأقليات من صفحات التاريخ الأوروبي، فإن حرب الريف تضعنا أمام فصل آخر، هذه المرة على أرض المغرب، حيث واجهت المقاومة الريفية بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي القوات الإسبانية خلال عشرينيات القرن الماضي.

كانت معركة أنوال سنة 1921 هزيمة عسكرية مدوية للجيش الإسباني، لكنها كانت أيضاً بداية مرحلة من التصعيد العسكري الذي اتخذ أشكالاً شديدة القسوة.

ففي سياق الحرب التي امتدت خلال عشرينيات القرن العشرين، استخدمت القوات الإسبانية أسلحة كيميائية، من بينها غاز الخردل ومواد سامة أخرى، في قصف مناطق من الريف. وقد تناولت هذه القضية دراسات تاريخية ووثائق عسكرية، كما وردت تفاصيل بشأن إنتاج تلك الأسلحة واستخدامها في وثائق منشورة ضمن أعمال البرلمان الإسباني.

وهنا ينبغي أن نتوقف عند حقيقة لا يمكن تذويبها في اللغة الدبلوماسية: إن استخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب لا يصبح أقل فظاعة لأن الضحايا كانوا مغاربة، ولا لأنهم كانوا يقاومون جيشاً استعمارياً.

لقد تجاوز أثر تلك الحرب ساحة المعارك؛ إذ طال السكان والمزارع والماشية ومصادر المياه، وخلّف القصف الكيميائي معاناة صحية وبيئية تستحق البحث والتوثيق والإنصاف.

أما الحديث عن استمرار ارتفاع معدلات السرطان في الريف وربطها بهذه الهجمات، فيحتاج إلى دراسات وبائية دقيقة تفصل بين الأدلة المتاحة والفرضيات التي ما زالت موضع بحث. لكن هذا التحفظ العلمي لا يبرر تجاهل الوقائع التاريخية المتعلقة باستخدام الغازات السامة.

والسؤال الذي يظل قائماً هو: كيف يمكن لدولة أوروبية أن تتحدث عن حقوق الإنسان والذاكرة الديمقراطية، فيما يظل ملف استخدام أسلحة كيميائية ضد سكان الريف المغربي موضوعاً لمطالب الاعتراف والاعتذار وجبر الضرر؟

إن المطالبة بفتح هذا الملف ليست دعوة إلى الانتقام من الإسبان اليوم، وليست تحميلًا للأجيال الحالية ذنباً جماعياً لم ترتكبه؛ إنها مطالبة أخلاقية وسياسية بأن تتحمل المؤسسات مسؤولية تاريخها، وأن تُتاح الوثائق، ويُشجَّع البحث المستقل، ويُفتح نقاش جدي حول سبل الإنصاف.

الرؤوس المقطوعة والقرى المدمرة… الوجه الآخر للحرب الاستعمارية

لم تكن حرب الريف مجرد مواجهة عسكرية تقليدية. فقد رافقتها عمليات قصف وتدمير ووقائع عنف ارتبطت بالاستعمار الإسباني، ووردت في كتابات تاريخية وشهادات عن الحرب روايات بشأن التمثيل بجثث المقاومين وقطع الرؤوس.

لكن خطورة هذه الوقائع لا تحتاج إلى مبالغات أو حكايات غير محققة حتى تصبح جديرة بالإدانة. فالوثائق المتعلقة بالقصف الكيميائي، وما رافق الحرب من تدمير ومعاناة للمدنيين، تكفي لطرح أسئلة صعبة حول المسؤولية العسكرية والسياسية والأخلاقية.

وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يُختزل تاريخ المقاومة الريفية في أرقام الخسائر العسكرية الإسبانية أو في الانتصارات والهزائم. فقد كان هناك مجتمع يعيش على أرضه، وقرى تعرضت للقصف، وأسر دفعت ثمناً باهظاً لصراع لم تكن تملك فيه وسائل القوة نفسها.

ومن واجب الذاكرة المغربية أن تحفظ هذه التجربة، لا بمنطق الكراهية، بل بمنطق الحقيقة التي ترفض أن يصبح الضحية مجرد هامش في رواية المنتصر.

سبتة… هل تكفي الرمزية الدينية لتجاوز سؤال التاريخ والسيادة؟

ليست سبتة مجرد فضاء جغرافي على الضفة الجنوبية للمتوسط؛ إنها أيضاً عنوان لملف تاريخي وسياسي ظل حاضراً في العلاقات المغربية الإسبانية.

وتخضع المدينة للإدارة الإسبانية، بينما لا يزال المغرب يتمسك بموقفه بشأن سبتة ومليلية، في نزاع سياسي وتاريخي لا يمكن اختزاله في زيارة ملكية أو في مشهد احتفالي.

وفي هذا السياق، تكتسب زيارة الملك فيليبي السادس دلالتها السياسية. فقد جاءت لتأكيد ارتباط المدينة بالمؤسسات الإسبانية، ولتوجيه رسالة دعم إلى سكانها، في وقت تشهد فيه العلاقات بين الرباط ومدريد تحديات مرتبطة بالهجرة والحدود والذاكرة التاريخية.

ولا يمكن فصل هذه الدلالات عن السياق الأوسع الذي يجعل من سبتة قضية تتجاوز المراسم البروتوكولية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت الذاكرة الإنسانية تستحق أن تُستحضر أمام قبور المهاجرين، أفلا تستحق ذاكرة الشعوب التي تعرضت للاستعمار أن تُستحضر هي الأخرى؟ وإذا كان احترام الموتى يجمع ممثلي الديانات المختلفة، فلماذا لا يتحول هذا المبدأ إلى شجاعة سياسية في التعامل مع الملفات التاريخية التي ما زالت تؤرق الذاكرة المغربية؟

إن احترام موتى اليوم لا يتعارض مع المطالبة بإنصاف ضحايا الأمس. بل إن القيمة الأخلاقية للمشهد تزداد حين يتسع ليشمل جميع الضحايا، من دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.

لسنا ضد الإسبان… بل ضد انتقائية الذاكرة

من الضروري التمييز بين الشعب الإسباني وتاريخه المتعدد، وبين السياسات الاستعمارية التي مارستها الدولة الإسبانية في مراحل معينة. فإسبانيا المعاصرة ليست إسبانيا محاكم التفتيش، ومواطنوها اليوم ليسوا مسؤولين جماعياً عن قرارات ملوك وقادة وجيوش من قرون مضت.

كما أن إسبانيا الحديثة تضم باحثين وصحفيين وحقوقيين وسياسيين ساهموا في كشف جوانب من هذا التاريخ، وطالب بعضهم بالاعتراف بجرائم الماضي ومعالجتها.

لكن ذلك لا يعفي المؤسسات من مسؤولية مواجهة الوقائع التاريخية، ولا يجعل المطالبة بالاعتذار أو جبر الضرر موقفاً عدائياً.

فالذاكرة ليست ملكاً للدول وحدها، ولا يحق لأي دولة أن تختار من تاريخها ما يمنحها المجد، وأن تدفع ما يحرجها إلى الهامش.

ومن هنا، فإن المطلوب من إسبانيا ليس أن تنحني أمام كل مغربي في كل مناسبة، بل أن تمتلك الشجاعة السياسية للاعتراف بما تثبته الوثائق، وأن تفتح أرشيفها أمام الباحثين، وأن تتعامل بجدية مع مطالب المتضررين وذويهم، وأن تضع ملف الأسلحة الكيميائية في الريف ضمن حوار تاريخي وحقوقي مسؤول.

فالتعايش ليس صورة، والاعتراف ليس ضعفاً، والاعتذار ليس هزيمة. بل إن الدول الواثقة من حاضرها هي التي تستطيع النظر إلى ماضيها من دون خوف.

الخاتمة: قبل أن تُلتقط الصورة، افتحوا صفحات التاريخ

إن الوقوف أمام القبور فعل إنساني يستحق الاحترام، أياً كانت هوية الزائر أو ديانته. لكن الاحترام الحقيقي للموتى لا ينبغي أن يتوقف عند حدود المقبرة، ولا أن ينتهي بانتهاء المراسم الرسمية.

فبين محاكم التفتيش، وطرد اليهود سنة 1492، وتهجير الموريسكيين بين 1609 و1614، والحرب الاستعمارية في الريف المغربي، تمتد صفحات من التاريخ تفرض على الذاكرة الأوروبية والمغربية معاً مسؤولية عدم النسيان.

وليس المطلوب إعادة إنتاج العداء بين الشعوب، بل بناء علاقة أكثر صدقاً، لا تُفرض فيها المصالحة على حساب الحقيقة، ولا يُطلب فيها من الضحايا أن ينسوا حتى يشعر الآخرون بالارتياح.

يا ملك إسبانيا، إن الوقوف أمام القبور يستحق الاحترام، لكن التاريخ لا يُطوى بالوقوف أمام القبور.

وإذا كانت الرسالة التي حملتها زيارتكم إلى سبتة هي أن الموتى يستحقون الكرامة، فإن هذه الرسالة ينبغي أن تتجاوز حدود المقبرة، لتشمل أيضاً ضحايا الاستعمار والحروب الكيميائية والتهجير القسري.

فالمغرب لا يحتاج إلى الكراهية كي يدافع عن ذاكرته، ولا إلى تزوير التاريخ كي يطالب بحقه في الحقيقة.

إنه يحتاج إلى كلمة واضحة: اعتراف بما تثبته الوثائق، وفتح للأرشيف، وحوار جاد حول الإنصاف، واحترام متبادل لا يتوقف عند حدود المصالح السياسية.

فالقبور لا تتكلم، لكن الوثائق تتكلم. والذاكرة قد تصمت زمناً، لكنها لا تموت.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث