في خطوة أدبية جديدة تؤكد حضور الرواية المغربية في المشهد الثقافي العربي والدولي، صدرت الطبعة الثانية من الرواية العربية للكاتب والأكاديمي المغربي الدكتور عبد الله بن اهنية، “تلال وسراب” بالتزامن مع صدور الطبعة الأولى من ترجمتها الإنجليزية تحت عنوان ” Hills and Dreams ” ، من خلال “مركز ابن خلدون لدراسات الهجرة والمواطنة” التابع لجامعة الأخوين، في مبادرة ترمي إلى إيصال الثقافة المغربية الأصيلة إلى القارئ العالمي، وإبراز غنى المجتمع المغربي وقيمه الإنسانية من خلال الأدب.
لا تقتصر رواية تلال وسراب على سرد أحداث وشخصيات، بل تشكل لوحة اجتماعية وثقافية متكاملة، تنقل القارئ إلى أعماق القرية المغربية بكل ما تزخر به من عادات وتقاليد وأحاسيس إنسانية نبيلة. إنها رواية تجعل من المكان بطلًا رئيسيًا، ومن الإنسان المغربي محورًا تدور حوله الأحداث، لتقدم شهادة أدبية صادقة عن مرحلة من تاريخ المجتمع المغربي وتحولاته الاجتماعية.
وتتخذ الرواية من الهجرة تيمة رئيسية تنسج حولها معظم أحداثها. فالهجرة هنا ليست مجرد انتقال جغرافي من القرية إلى المدينة أو من الوطن إلى الخارج، وإنما هي رحلة وجودية مليئة بالأسئلة والتحديات، يكتشف خلالها الإنسان ذاته ويعيد تعريف علاقته بالأرض والهوية والانتماء.
وتبرز الرواية ما يدفع الشباب إلى مغادرة قراهم بحثًا عن العلم أو العمل أو حياة أفضل، وما يرافق ذلك من مشاعر الحنين والاغتراب والصراع بين الوفاء للماضي ومتطلبات المستقبل.يخرج كثير من الشباب إلى الهجرة وهم يحملون في مخيلتهم صورة مثالية عن “جنة ما وراء البحار”، حيث يظنون أن النجاح والرخاء في انتظارهم منذ اللحظة الأولى.
غير أن الواقع كثيرًا ما يفاجئهم بصدمة قاسية، إذ تتحول تلك الأحلام الوردية إلى كابوس من الغربة والوحدة والمعاناة اليومية.
فيجد المهاجر نفسه في مواجهة قسوة المناخ، وضغوط العمل، وصعوبة الاندماج في مجتمع جديد، وقد يواجه أحيانًا مظاهر من التمييز أو العنصرية، فضلًا عن ألم الابتعاد عن الأسرة والوطن والأحبة.
وعندها يدرك أن الهجرة ليست مجرد عبور للحدود، بل امتحان عسير للصبر والهوية والانتماء، وأن أغلى ما يملكه الإنسان قد لا يكون المال، بل دفء الأهل وطمأنينة الوطن.
وفي موازاة ذلك، تتناول الرواية عددًا من القيم الإنسانية الرفيعة التي تشكل أساس المجتمع السليم، وفي مقدمتها الصدق والأمانة والإخلاص والتفاني واحترام الآخر، لتؤكد أن النجاح الحقيقي لا يقاس بما يحققه الإنسان من مكاسب مادية، وإنما بما يحافظ عليه من مبادئ وأخلاق مهما تغيرت الظروف.
وتقدم تلال وسراب وصفًا دقيقًا للحياة في البادية المغربية، حيث الطبيعة الخلابة والحقول الممتدة والتلال التي تعانق السماء، وحيث العلاقات الإنسانية الصافية التي تقوم على التعاون والتكافل والتراحم.
ويعيش القارئ تفاصيل الحياة اليومية لأهل القرية، فيشاركهم أفراحهم خلال مواسم الحصاد، عندما تتحول الحقول إلى فضاءات للاحتفال والعمل الجماعي، وتتعالى أصوات الأهازيج الشعبية التي تعكس روح التضامن والمحبة.
وفي المقابل، لا تغفل الرواية الوجه الآخر للحياة القروية، فتصف بواقعية مؤثرة معاناة الأسر خلال فصل الشتاء، حين يشتد البرد، وتتعاظم الحاجة، وتتناقص المؤونة، وتختلط أصوات الرياح العاتية بنباح الكلاب الجائعة، في مشاهد تنقل القارئ إلى قلب التجربة الإنسانية بكل ما تحمله من ألم وصبر وأمل.
ويتميز هذا الوصف بصدق فني يجعل القارئ يعيش تفاصيل المكان وكأنه أحد سكانه.
ومن أكثر الجوانب تشويقًا في الرواية مغامرات أبناء وبنات القرية الذين يغادرون مسقط رأسهم وهم في سن مبكرة لمتابعة الدراسة في المدينة المجاورة. وهناك تبدأ رحلة جديدة مليئة بالمفاجآت والتحديات، حيث يواجه الأطفال صعوبة الابتعاد عن الوالدين والأسرة، ويصطدمون بعالم مختلف تحكمه قوانين جديدة، فيعيشون الخوف والوحدة، ويتعرضون لألوان متعددة من الحيل والمواقف التي تفرضها عليهم حياة المدينة وأزقتها المزدحمة.
غير أن هذه التجارب القاسية تسهم في بناء شخصياتهم وصقل إرادتهم، وتجعلهم أكثر قدرة على مواجهة الحياة.وقد نجح الكاتب في تقديم هذه الأحداث بأسلوب سردي متميز، يقوم على تشابك الخطوط الروائية وربط الأحداث بطريقة تجعل القارئ مشدودًا منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية. وتتنقل الرواية بسلاسة بين الماضي والحاضر، وبين الواقع والذكريات، لتشكل نسيجًا أدبيًا متماسكًا يجمع بين التشويق والبعد الإنساني والعمق الفكري.
ولا تخلو الرواية من رسالة وطنية واضحة، إذ تؤكد أن حب الوطن لا يقتصر على الشعارات، بل يتجسد في الوفاء لمسقط الرأس، والاعتزاز بالهوية، والمحافظة على الموروث الثقافي، والإيمان بأن الإنسان يستطيع أن يحقق النجاح أينما كان دون أن يقطع جذوره التي تربطه بأرضه وأهله، وضرورة العودة والاستثمار في القرية ومساعدة شبابها.
كما تخصص الرواية مساحة مهمة لقيمة التعايش بين الناس على اختلاف طبائعهم وأفكارهم، وتبرز أن المجتمعات القوية هي تلك التي تقوم على التسامح والاحترام المتبادل والتعاون، بعيدًا عن التعصب والإقصاء. ومن خلال شخصياتها المتنوعة، تقدم الرواية نماذج إنسانية تؤكد أن الاختلاف يمكن أن يكون مصدرًا للثراء والتكامل، لا سببًا للصراع والانقسام، كما هو الحال فيما كان يسمى بالملاح.
ويُحسب للرواية أيضًا أنها تمثل وعاءً غنيًا للثقافة المغربية الأصيلة، فهي تزخر بالأمثال الشعبية والتقاليد المحلية، وتوثق جوانب من الحياة الاجتماعية التي بدأت تتغير بفعل الحداثة والهجرة والتحولات الاقتصادية وابتلاع المدينة لمعالم القرية.
ومن ثم فإنها لا تقدم للقارئ حكاية ممتعة فحسب، بل تمنحه فرصة لاكتشاف جانب مهم من الذاكرة الجماعية المغربية.
أما صدور النسخة الإنجليزية Hills and Dreams فيمثل خطوة نوعية نحو التعريف بالأدب المغربي لدى القراء الناطقين باللغة الإنجليزية، وإتاحة الفرصة لهم للتعرف على الثقافة المغربية من خلال عمل روائي يحمل في طياته قيمًا إنسانية عالمية تتجاوز حدود المكان والزمان.
ومن شأن هذه الترجمة أن تفتح آفاقًا جديدة للحوار الثقافي بين المغرب والعالم، وأن تسهم في تعزيز حضور الأدب المغربي في الساحة الدولية.
إن صدور الطبعة الثانية من “تلال وسراب” والطبعة الإنجليزية الأولى Hills and Dreams ليس مجرد حدث نشر، بل هو احتفاء بقصة الإنسان المغربي، وبالقرية التي كانت وما تزال منبعًا للقيم والأصالة، وبالإنسان الذي يحمل وطنه في قلبه أينما ارتحل.
إنها رواية تدعو القارئ إلى التأمل في معنى الانتماء، وقيمة الأسرة، وأهمية العلم، وجمال التعايش، وضرورة الحفاظ على المبادئ التي تمنح الحياة معناها الحقيقي.
ومن المتوقع أن تحظى الرواية باهتمام واسع بين القراء والباحثين والمهتمين بالأدب المغربي، لما تتضمنه من ثراء لغوي وسردي، ولما تحمله من رسائل إنسانية عميقة تجعلها عملًا أدبيًا يستحق القراءة، سواء في لغته العربية الأصلية أو في نسخته الإنجليزية الجديدة.
والله ولي التوفيق،،،كاتب وباحث في محال التربية والتعليم والثقافة


Comments
0